تقنين المياه... هل أصبح العطش سلاحاً لابتزاز المواطنين؟!
سلمى صلاح سلمى صلاح

تقنين المياه... هل أصبح العطش سلاحاً لابتزاز المواطنين؟!

بدأت المياه تحوُّلَها إلى سلعة نادرة تخضع لمنطق السوق السوداء خلال أعوام الحرب، نتيجةَ سياسات التقنين القاسية ودمار البنى التحتية والفساد. وفي الوقت الذي تغيب فيه الدولة عن توفير الخدمة الأساسية والحيوية، تغيب أيضاً عن أدنى واجباتها في ضبط السعر ومنع الاحتكار، الذي بات يمارسه أصحاب الصهاريج.

وبالرغم من الهطولات المطرية هذا العام، إلا أن أحمد درويش، مدير المؤسسة العامة لمياه دمشق وريفها، أشار في تصريح سابق لـ«يورو نيوز» في 31 آذار 2026، إلى أن الهدر في الشبكات يصل إلى حدود 40%، وأن زيادة الموارد لا تعني زيادة في توزيع المياه.


رواتبٌ للمياه!


مع دمار شبكات المياه وتآكل قدرة المضخات والجفاف، بالإضافة إلى التقنين، يبقى الصهريج المتنقل المنقذ الوحيد لملايين السوريين ولا سيَّما في أطراف المدن والأرياف.
لكن هذا «المنقذ» يتحول إلى جزَّار للميزانيات الهزيلة؛ فأسرة من 5 أفراد، بحاجة تقديرياً وفقاً لحجم الاستهلاك والاحتياجات المنزلية – مع الترشيد – إلى ما لا يقل عن 5 براميل كل 5 أيام، أي ما يعادل 6 مرات تعبئة شهرياً.
وبتكلفة تتراوح بين 150 ألف و200 ألف ليرة لكل تعبئة، تصبح الفاتورة الشهرية ما بين 900 ألف ومليون و200 ألف ليرة!
وهنا تكمن المأساة؛ فهذا المبلغ يعادل راتب شهر كامل. فكيف يمكن لعائلة أن تؤمِّن لقمة عيشها، وتدفع فواتير الدواء والتعليم والغذاء والإيجارات والتنقل، إلخ، وهي مضطرة لدفع مليون ليرة شهرياً فقط من أجل الماء؟


فوضى التسعير


تكشف المتابعات عن فوضى عارمة في التسعير يحكمها المزاج والمنطقة؛ ففي ريف دمشق يُباع الصهريج بحدود 200 ألف، بينما يرتفع في درعا ليتجاوز هذا الرقم. وفي الشمال يختلف السعر بين المدينة والمخيمات، بحجة تكلفة المحروقات وبُعد المسافات.


أين الدولة من هذا النهب؟


إن كانت الدولة عاجزة عن تأمين المياه بشكل مستمر، فلماذا لا تتدخل لضبط الأسعار وتترك السوق لأصحاب الصهاريج للمضاربة والاستغلال؟
إن غياب الرقابة على الصهاريج، سواء من حيث السعر أو جودة المياه، هو تواطؤ صريح مع المحتكرين.
فأزمة الصهاريج ليست أزمة مضخات وشبكات منهارة ومدمرة، بقدر ما هي أزمة سيادة الدولة على مواردها الأساسية. وطالما بقي قطاع الطاقة في حالة انهيار، والفاقد في الشبكات والهدر في ازدياد لافتقار القطاع للإرادة والإدارة، وفي ظل غياب الرقابة على التسعيرة والمواصفة، سيبقى سوق المياه رهينة للاحتكار الذي حوّل 95% من الشعب المفقر إلى مستهلكين مضطرين لدفع أجورهم كاملة مقابل الماء.
الحل لا يكمن في إصلاح مضخة هنا وتأهيل شبكة هناك، بل في إعادة الاعتبار للمياه كحق مرتبط بالأمن الوطني، وإعادة تأهيل الشبكات عبر دعم الطاقة المتجددة للمحطات، وفرض رقابة على سوق الصهاريج المنفلت، وإلا فنحن مقبلون على أزمة مياه لن تحلها الصهاريج، وستفاقم من تفكك النسيج المجتمعي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1284