سياسات الدعم المنهارة... وعود التحسين وتدهور الجودة
سارة جمال سارة جمال

سياسات الدعم المنهارة... وعود التحسين وتدهور الجودة

أصبح العثور على أجسام غريبة في رغيف الخبز واقعاً يومياً يفضح هشاشة منظومة التخزين والإنتاج والرقابة، ولم يعد خبراً استثنائياً. وقد وجد المواطن نفسه أمام حقيقة مرة: رغيف الخبز الذي كان يشكل شريان الحياة اليومية، أصبح مرآة عاكسة لفساد إداري وسوء تخزين، يتقاسم مسؤولياته ضعف الرقابة، وتراجع سياسات الدعم، وجشع المتاجرين بمقدَّرات الناس.

من دير الزور إلى درعا...قصص فشل متكرر


كشفت معاينة ميدانية في 20 حزيران عن وجود ديدان حية في مادة الطحين المنتجة في مطحنة المحلج بدير الزور، وذلك بعد 5 أشهر فقط من إعادة تشغيلها. ولم تأتِ هذه الحادثة من فراغ، بل جاءت معززة بوقائع مماثلة في درعا.
حيث استجابت المؤسسة السورية للمخابز في 4 حزيران إلى شكاوى أهالي خربة غزالة حول وجود أجسام غريبة في أرغفة الخبز. وعلى وقع الضجة الشعبية، تشكلت لجنة فنية لتخرج بنتيجة مثيرة للجدل. إذ أكد تقريرها أن العينة المدروسة «خالية من أي آثار تدل على وجود إصابات حشرية أو ملوثات مماثلة»، وأن الجسم الغريب لم يكن سوى «قطعة رمل من بقايا بلوك الآجر المستخدم في بيت النار».
وبينما حرصت المؤسسة على التأكيد بأن «وصول أي جسم غريب إلى المنتج النهائي غير مقبول»، فإن التقرير نفسه كشف عن فجوة صارخة؛ إذ كيف يمكن لقطعة رمل كبيرة أن تجتاز خطوط الإنتاج لتستقر في رغيف الخبز، إن لم تكن المنظومة برمتها تعاني من خلل جسيم في مراحل الطحن والعجن والخبز؟
أما في بلدة نصيب بدرعا، فلم تقتصر الملوثات على الرمل والحجارة، وتعدَّتها إلى ظهور أعقاب سجائر وحشرات داخل مادة الطحين. ما دفع الأهالي إلى المطالبة بتفعيل الرقابة الصحية واتخاذ إجراءات عاجلة. ما يؤكد أن المشكلة ليست محصورة بمطحنة أو فرن واحد، بل هي «وباء» إداري يضرب المخابز والمطاحن على امتداد الخارطة السورية.


الأرقام الرسمية


تشير الأرقام التي كشفت عنها وزارة الاقتصاد العام الماضي إلى أن الخلل ليس طارئاً ولا محدوداً؛ فخلال الأشهر العشرة الأولى من العام الماضي فقط، سجلت الوزارة 2933 مخالفة، نتج عنها ترقين ما لا يقل عن 51 فرناً.
وتنوعت أساليب المخالفات بين التصرف غير المشروع بالدقيق التمويني، ونقص الوزن، والبيع بسعر زائد، وإنقاص عدد الأرغفة، وكأن الالتفاف على القوانين أصبح قاعدة في هذا القطاع الحيوي.
والمفارقة أن المخالفات تزداد شراسة في الوقت الذي تسرّع فيه الدولة وتيرة إزالة الدعم عن
الخبز. ففي اللحظة التي يدفع فيها المواطن ثمناً أكبر لقاء الخبز، يُفاجأ بتراجع الوزن وانخفاض عدد الأرغفة، وتدنٍّ ملموس في مستوى النظافة والمطابقة للمواصفات.


العلاج المفقود


بات واضحاً أن الحفاظ على جودة الخبز لا يمكن تحقيقه برفع الدعم، ولا بتعديل وزن الربطة أو عدد الأرغفة، ولا بجولات تفتيشية شكلية تصطاد مخالفة هنا وهناك، فيما تتجاهل خطوط الإنتاج بكاملها، وسوء التخزين، وعمليات الاتجار بالطحين والمحروقات.
فإذا لم تخضع منظومة المطاحن والمخابز إلى إصلاحٍ جذريّ يبدأ بتطهير الإدارة بكل مستوياتها من الفساد، ووضع المواطن في صميم الأولويات، فإن أزمة الخبز ستبقى مستمرة لتشكل تهديداً حقيقياً لسلامة الغذاء واستقرار المجتمع.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1284