إلغاء تجميد التعديلات التنظيمية... هل تُفتح أبواب التنمية أم أبواب الامتيازات؟
في بلد أنهكته الحرب وتآكلت فيه البنية التحتية وتراجعت قدرات الدولة والمجتمع على حد سواء، يبدو أي قرار يهدف إلى تسريع التنمية والاستثمار خطوة مرحباً بها من حيث المبدأ. ومن هذا المنطلق جاء قرار إلغاء البلاغ الصادر عام 2023 الذي كان يجمد التعديلات على نظام ضابطة البناء والصفات التنظيمية وإجراءات اعتماد المشاريع الحيوية ذات النفع العام.
لكن التجارب السابقة في سورية وفي العديد من الدول تثبت أن المشكلة لا تكمن دائماً في النصوص والقرارات، بل في كيفية تنفيذها، والجهات التي تستفيد منها، والرقابة التي تحكم تطبيقها.
لا شك أن البلاد بحاجة إلى مرونة تنظيمية أكبر. فالكثير من المخططات العمرانية لم تعد تعكس الواقع الحالي، وكثير من المشاريع الخدمية والاستثمارية تحتاج إلى تعديلات في التصنيفات التنظيمية وشروط البناء كي ترى النور. كما أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تتم في ظل جمود إداري دائم أو إجراءات تعيق أي تغيير في الواقع العمراني.
غير أن هذا الجانب الإيجابي لا يلغي المخاوف المشروعة التي يثيرها القرار.
فالصفة التنظيمية للعقار ليست مجرد توصيف إداري، بل هي في كثير من الأحيان مصدر ثروة. والقرار الذي يسمح بتغيير استعمال الأرض أو زيادة عدد الطوابق أو رفع نسب الاستثمار يمكن أن يحول عقاراً عادياً إلى أصل تزداد قيمته أضعافاً خلال فترة قصيرة. وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجاهله: مَن الذي سيحصل على هذه الميزة؟ وما هي المعايير التي ستحدد المستفيدين منها؟
المشكلة أن القرارات التنظيمية في جوهرها تخلق قيمة اقتصادية كبيرة دون أن تنتج متراً واحداً إضافياً من الأرض. مجرد توقيع إداري قد يضيف ملايين الليرات أو الدولارات إلى قيمة عقار معين. وعندما تكون هذه السلطة بيد جهات تنفيذية دون شفافية كاملة، فإن احتمالات توجيه المنافع نحو أصحاب النفوذ والمصالح تصبح هاجساً مشروعاً لا مجرد افتراض نظري.
القلق لا يتعلق بالاستثمار بحد ذاته، فالسوريون يحتاجون إلى الاستثمار أكثر من أي وقت مضى، بل يتعلق بطبيعة الاستثمار ومن يستفيد منه.
فهل ستكون التعديلات التنظيمية أداة لإقامة مدارس ومستشفيات ومشاريع إسكان ومرافق عامة تخدم المجتمع؟
أم ستتحول إلى وسيلة لمنح امتيازات عقارية واستثمارية لفئات محددة تحت عناوين فضفاضة مثل «المصلحة العامة» أو «المشاريع الحيوية»؟
في الظروف الاقتصادية الحالية، حيث يعاني معظم المواطنين من تراجع القدرة الشرائية وصعوبة الوصول إلى السكن، فإن أي زيادة كبيرة في أسعار الأراضي والعقارات قد تعني مزيداً من الإقصاء للفئات محدودة الدخل. فبينما ترتفع قيمة الأصول التي يملكها البعض، قد يجد آخرون أنفسهم أمام موجة جديدة من ارتفاع الإيجارات وأسعار السكن دون أن يحصلوا على أي فائدة مقابلة.
كذلك تبرز مخاوف تتعلق بالتخطيط العمراني نفسه. فالسماح بزيادة الكثافات السكانية أو التوسع العمراني دون تطوير موازٍ للبنية التحتية قد يحول المدن إلى مساحات أكثر ازدحاماً وأقل قدرة على تقديم الخدمات الأساسية. فالتنمية لا تقاس بعدد الأبراج والمجمعات التجارية التي تُبنى، بل بقدرة المدينة على استيعابها دون الإضرار بجودة حياة سكانها.
ومن زاوية أخرى، يطرح القرار تحدياً يتعلق بالعدالة. فإذا مُنحت بعض المناطق أو العقارات مزايا تنظيمية استثنائية بينما حُرمت مناطق أخرى مشابهة منها، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام شعور واسع بعدم المساواة ويثير تساؤلات حول أسس اتخاذ القرار.
لهذا فإن نجاح الخطوة لا يتوقف على إلغاء التجميد، بل على ما سيليه من إجراءات.
المطلوب ليس تحرير الإدارة من القيود فقط، بل تقييد السلطة التقديرية بمعايير واضحة وشفافة أيضاً. المطلوب نشر أسباب التعديلات التنظيمية، وإتاحة الدراسات الفنية للرأي العام، وإخضاع القرارات لرقابة مؤسسية وقضائية فعالة، وضمان أن تكون المصلحة العامة هي المستفيد الأول من أي تغيير في استخدام الأرض أو حقوق البناء.
إن التنمية الحقيقية لا تتحقق عندما ترتفع قيمة العقارات فحسب، بل عندما يشعر المواطن العادي أن القرارات العامة تُتخذ لخدمته لا لخدمة أصحاب النفوذ. وبين هذين المسارين سيتحدد ما إذا كان هذا القرار بداية لمرحلة جديدة من إعادة البناء والتنمية، أم مجرد فصل جديد في إعادة توزيع المنافع والثروة لصالح القلة على حساب المصلحة العامة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1281