استمرار كارثة حرق القمامة... أعذار متكررة وحلول غائبة
فما يصفه السكان من الحسكة إلى ريف دمشق «بالكارثة البيئية» يعكس في جوهره أزمة هيكلية في تقديم الخدمات، بالإضافة إلى أزمة عدالة اجتماعية؛ فيلاحظ تركز الممارسات الضارة بيئياً في أحزمة الفقر.
ففي مشهد يتكرر يومياً، تشهد أحياء حلب الشرقية، كالمشهد ومساكن هنانو وبستان القصر، اشتعال النيران في أكوام القمامة، لينبعث دخان أسود كثيف يحمل شتى أنواع السموم؛ فتختنق الأسر، ويمرض الأطفال، وتُغلق النوافذ.
وما كان حوادث متفرقة، تحول إلى كارثة بيئية وصحية ممنهجة، تتجاهل الجهات المعنية حلّها، رغم تكرار الشكاوى واستفحال المخاطر.
وتؤكد الظاهرة توزيع الخدمات بشكل تفاضلي داخل المدينة الواحدة؛ عبر نمط يعيد إنتاج الفقر ويحول شعور التهميش إلى إحباط جماعي، ويُفقد السكان الثقة بالمؤسسات، وفي النهاية يلجأ الأفراد إلى حلول فردية تضر بالجميع، مثل الحرق الليلي.
وفي ريف دمشق الوضع ليس بأفضل حالاً، حيث تعاني بلدات مثل حجيرة ومسرابا وسقبا وجرمانا وغيرها، من إهمال مزمن في هذا الملف.
فيما يدفع القاطنون بقرب المكبات العشوائية ثمن غياب الدولة، وتتحول بيوتهم في فصل الصيف إلى سجون مغلقة؛ فلا يمكن فتح نافذة واحدة أمام رائحة التعفّن والدخان.
ليجد المواطن نفسه أمام خيارين؛ إما التعايش مع الروائح الكريهة والحشرات، أو حرق النفايات ومواجهة مخاطرها. وهنا تكمن المفارقة؛ فالأسر الأكثر فقراً تتحمل أعلى تكاليف صحية مستقبلية، وتعيش في دوامة من الظلم البيئي والاقتصادي.
أما في الحسكة، فالمأساة تأخذ شكلاً آخر. حيث تحول السوق المركزي إلى واجهة قذرة تعكس حجم الإهمال، وأصبح تراكم القمامة عائقاً مباشراً أمام الحركة التجارية.
ما اضطر أصحاب المحال إلى تنظيف محيط محالهم على نفقتهم الخاصة، من دون جدوى، لأن النفايات سرعان ما تتراكم مجدداً. ومع ارتفاع درجات الحرارة، تنبعث الروائح وتكثر الحشرات، ما ينعكس سلباً على الإقبال، ويهدد وجود السوق بأكمله.
وأمام كل هذه الكوارث لا يسع البلديات سوى تقديم خطابها المعتاد: نقص كوادر، وانعدام الإمكانيات، وغياب التمويل. وتكتفي بتحديد أوقات لرمي القمامة، وإطلاق حملات توعية محدودة، وتطلب من المواطنين تقديم الشكاوى.
إلا أن الإجراءات «الوعظية» لا تجدي نفعاً، كما أن الحلول التقنية وحدها (سيارات ترحيل، وحاويات إضافية) لا تكفي، ما لم يرافقها إعادة توزيع عادل للموارد المتاحة، وإشراك حقيقي للمجتمعات المحلية في إدارة شؤونها.
فمن دون ترحيل يومي، وإنشاء مكبات صحية، ووضع برامج فرز وتدوير، ومحاسبة حقيقية للتقصير، ستبقى النفايات عنواناً للإخفاق الحكومي وجرماً صحياً بحق السوريين.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1281
نور الإبراهيم