جنون الأسعار عاصف... سياسات تفتك بالجيوب والإنتاج على حافة الهاوية!
فوجئ السوريون بعد انقضاء أيام عيد الأضحى، بقفزات سعرية حادة طالت أساسيات مائدتهم اليومية.
فالبيض والألبان والأجبان، تلك المواد التي لطالما شكلت مصدر البروتين الأقل كلفة «لذوي الدخل المحدود»، تحولت إلى سلع شبه كمالية في بلد يرزح تحت وطأة أزمة معيشية واقتصادية خانقة، وأمام الأرقام تتكشف حقيقة مُرّة؛ ما يحدث ليس سوى نتيجة حتمية لسياسات اقتصادية منفصلة عن الواقع.
خارج منطق «الدولار»
تكشف مقارنة الأسعار في الأسواق المحلية بين فترة ما قبل العيد واليوم (أي خلال العشرة الأيام الأخيرة من شهر أيار) عن أرقام صادمة، فقد قفز سعر طبق البيض بنسبة 21,21%، من 33,000 إلى40,000 ل.س، أما كيلو الحليب سجل 9000 ل.س أي بنسبة زيادة 12,5%، بينما ارتفع اللبن بنسبة 11,11% مسجلاً سعر 10,000 ل.س
أما عند مشتقاتهما (متوسطة الجودة) فكانت الصدمة أشد، إذ ارتفع سعر كيلو الجبنة البلدية بنسبة 20,68% من 29,000 إلى 35,000 ل.س، بينما اللبنة، وصل سعر الكيلو إلى 38,000 ل.س أي بنسبة زيادة 22,58%، حتى الجبنة الشلل التي تُعد من كماليات المائدة ارتفع سعرها بنسبة 8,57% من70,000 إلى 76,000 ل.س.
في المقابل، لم ترتفع نسبة سعر صرف الدولار حينها، ما بين 1-2,26%، متراوحاً بين 13,700- 13,870 ل.س قبل العيد وصولاً إلى عتبة 14,000 ل.س، هذه الفجوة بين النسب أعلاه تفضح زيف هذه الذريعة «السحرية» المُعتمدة دائماً لتبرير أي قفزة سعرية جديدة، وتضع علامات استفهام حول المستفيد الحقيقي منها؟!
أصل الداء
لا يمكن فهم هذه الزيادات بمعزل عن سلسلة القرارات الحكومية التي أثقلت كاهل الإنتاج المحلي، فرفع أسعار المحروقات في الآونة الأخيرة انعكس مباشرة على تكاليف النقل والتبريد، في وقت يعاني فيه مربو الدواجن والمواشي من ارتفاع جنوني في تكاليف الإنتاج خاصة الأعلاف والأدوية البيطرية المستوردة.
المفارقة القاتلة أن الدولة، بدلاً من دعم هؤلاء المنتجين، تفتح أبواب الاستيراد غير المسقوف لمنتجات أقل جودة وأرخص سعراً، في منافسة غير متكافئة تدمر ما تبقى من الإنتاج المحلي.
ناهيك عن قنوات التهريب وحلقات الوساطة التي تلتهم هامش ربح المنتج وتضاعف السعر على المستهلك، ليُطلق العنان هنا لمزاجية التجار وحيتان الاحتكار «تسعيراً متصاعداً طبعاً»، فالأسواق تحولت إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف، وسط غياب مريب لدور الرقابة وحماية المستهلك، وكأن ثمة «تواطؤاً غير معلن» بين السياسات الحكومية وجشع التجار.
مطرقة السوق وسندان الفقر
في نهاية هذه السلسلة الملتهبة، ضحيتان يدفعان الثمن معاً؛ صغار المربين الذين يخرجون تباعاً من دائرة الإنتاج بفعل تكاليف خانقة ومنافسة المستورَد فيفقدون مصدر رزقهم الوحيد، والمواطن «المفقر» الذي بات عاجزاً عن تأمين لقمة عيش أسرته في بلد يعيش 95% من سكانه تحت خط الفقر.
وهنا لم يعد السؤال: كيف يعيش السوري؟ بل كيف يموت ببطء يومياً؟!
إنها ليست أزمة آنية وعابرة، بل مشكلة متجذرة تعكس غياب رؤية اقتصادية واضحة؛ سوق «حرة» بلا ضوابط، ودولة تنسحب من دورها الداعم، هذه الزيادات السعرية خلال أيام معدودة، ليست سوى تتويج لسياسات اقتصادية فاشلة تتعمد تفكيك الإنتاج المحلي وترك المستهلك والمربي على حدٍ سواء تحت رحمة سوق متوحشة وحيتان لا تشبع نهباً واستغلالاً.
ولتعود هذه السلع إلى متناول السوريين، لا بد من سياسة متوازنة بمسار دعم حقيقي لتكاليف الإنتاج المحلي، وترشيد الاستيراد ومكافحة التهريب، وتفعيل رقابة تكسر حلقات الاحتكار والوساطة الجشعة التي تنهش ما تبقى من قوت الفقراء.
اليوم يعاد التاريخ بأبشع صورة وعلى ما يبدو أن عقلية السلطة الساقطة تسيطر على المناخ الحكومي بالسياسات الاقتصادية العاجزة والقرارات غير المدروسة «المجحفة» التي تحكم قبضتها على رقاب الناس.
هذا إفقار ممنهج، وجريمة ضد الإنسانية، أهكذا «تحمي» الدولة مواطنيها و«تؤمن» لهم الحياة الكريمة؟!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1281
رهف ونوس