اللحم الأحمر في سورية... من غذاء شعبي إلى سلعة للأقلية القادرة

اللحم الأحمر في سورية... من غذاء شعبي إلى سلعة للأقلية القادرة

مع اقتراب عيد الأضحى، تشهد الأسواق السورية ارتفاعاً جديداً في أسعار اللحوم الحمراء والأضاحي، وسط تراجع مستمر في القدرة الشرائية للسكان واتساع دائرة الفقر. وبينما كان اللحم الأحمر جزءاً أساسياً من الغذاء اليومي لشرائح واسعة من السوريين قبل سنوات، أصبح اليوم مادة مرتفعة الثمن تقتصر بشكل متزايد على القلة القادرة، في حين تتراجع حصة الأسر المفقرة من اللحوم عاماً بعد عام، حتى في موسم عيد الأضحى الذي كان تاريخياً مناسبة للتكافل الاجتماعي وتوزيع اللحوم على المحتاجين.

الأسعار الحالية تعكس حجم التحول الذي أصاب السوق السورية. فقد تجاوز سعر كيلو الخروف الحي حاجز 95 إلى 105 آلاف ليرة سورية، بينما تراوح سعر الخروف المناسب للأضحية بين 5 و7 ملايين ليرة، ووصلت بعض الأنواع الممتازة إلى مستويات أعلى بكثير. كما ارتفع سعر كيلو لحم الخروف المذبوح إلى ما بين 250 و325 ألف ليرة سورية بحسب المنطقة والنوعية، في وقت أصبحت فيه الرواتب والدخول عاجزة عن ملاحقة هذا الارتفاع.

ورغم تحسن المراعي نسبياً هذا العام نتيجة الموسم المطري الجيد، فإن الأسعار واصلت الصعود، ما يؤكد أن الأزمة أعمق من العوامل المناخية وحدها. فالقطاع يعاني منذ سنوات من تراجع كبير في أعداد الثروة الحيوانية نتيجة الحرب والجفاف وارتفاع تكاليف التربية والأعلاف والمحروقات والأدوية البيطرية، إضافة إلى الذبح العشوائي والتهريب. وتشير تقديرات متداولة إلى أن سورية فقدت ما بين نصف إلى نحو 60% من ثروتها الحيوانية مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2011.
ويُعد التصدير والتهريب أحد أبرز العوامل التي تزيد الضغوط على السوق المحلية، خاصة مع استمرار خروج الأغنام السورية إلى أسواق الخليج عبر الأردن والعراق. فالأغنام السورية، وخصوصاً سلالة «العواس»، تحظى بطلب مرتفع في الأسواق الخارجية، ما يدفع التجار والمربين إلى تفضيل البيع للتصدير بسبب الأرباح الأعلى والعائد بالعملة الأجنبية. ونتيجة لذلك، ينخفض المعروض داخل السوق السورية، وترتفع الأسعار بصورة أكبر، خصوصاً في المواسم الحساسة مثل عيد الأضحى.

هذا الواقع أدى إلى انخفاض متواصل في معدلات استهلاك اللحم الأحمر داخل سورية. فالكثير من العائلات لم تعد قادرة على شراء اللحوم إلا في مناسبات محدودة، بينما خرجت اللحوم الحمراء عملياً من النظام الغذائي اليومي لغالبية السكان. ومع استمرار التضخم وضعف الأجور، تحول اللحم الأحمر من مادة غذائية اعتيادية إلى سلعة شبه فاخرة لا تصل إلا إلى شريحة محدودة من القادرين مادياً.

ولا تقتصر آثار الأزمة على الجانب الغذائي فقط، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي أيضاً. فالأضاحي كانت تمثل لسنوات طويلة مصدراً مهماً لوصول اللحوم إلى آلاف الأسر الفقيرة خلال العيد، عبر التوزيع العائلي أو الخيري. لكن مع ارتفاع أسعار الأضاحي إلى هذه المستويات، تراجع عدد المضحين بشكل ملحوظ، ما يعني انخفاض كمية اللحوم التي تصل إلى الفئات المفقرّة عاماً بعد عام.
وفي ظل هذا التراجع، تتقلص تدريجياً واحدة من أهم شبكات التكافل الاجتماعي الموسمية في سورية. فالكثير من الأسر التي كانت تعتمد على «لحم العيد» كمصدر نادر للبروتين الحيواني أصبحت تحصل على كميات أقل بكثير، بينما تمر على بعض العائلات أشهر طويلة دون القدرة على شراء اللحوم إطلاقاً.

وفي المقابل، يؤكد مربو المواشي أن استمرارهم في العمل أصبح شديد الصعوبة بسبب ارتفاع تكاليف التربية، خصوصاً الأعلاف والأدوية البيطرية والمحروقات والنقل، إضافة إلى الخسائر الناتجة عن الأمراض وضعف الدعم الحكومي. لذلك يرى كثير منهم أن التصدير يشكل منفذاً ضرورياً لتحقيق هامش ربح يضمن بقاء القطاع وعدم انهياره بشكل كامل.
لكن إعادة التوازن إلى السوق السورية لا يمكن أن تتحقق عبر المنع الكامل للتصدير أو عبر ترك السوق مفتوحة بالكامل دون ضوابط، بل تتطلب سياسة متوازنة تقوم أولاً على إعادة تنمية القطعان وزيادة أعداد الثروة الحيوانية تدريجياً. وهذا يحتاج إلى تخفيض تكاليف الإنتاج، وخاصة أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية والمحروقات والنقل، بما يسمح للمربين بالاستمرار والتوسع في التربية.

كما يتطلب الأمر ترشيد عمليات التصدير بما يضمن عدم استنزاف السوق المحلية، إضافة إلى مكافحة التهريب الذي يسهم في خروج أعداد كبيرة من المواشي بعيداً عن أي رقابة أو تنظيم. فاستقرار السوق المحلية وتأمين احتياجات السوريين من اللحوم بأسعار مقبولة يجب أن يكون أولوية أساسية، خاصة في ظل التراجع الكبير في الاستهلاك الغذائي واتساع معدلات الفقر.
وفي حال استمرار الاتجاهات الحالية دون معالجات حقيقية، فإن اللحم الأحمر مرشح لأن يتحول أكثر فأكثر إلى منتج يقتصر على الفئات الميسورة فقط، بينما ستتراجع قدرة غالبية السوريين على الوصول إليه، حتى في المواسم الدينية والاجتماعية التي كانت تاريخياً مرتبطة بتوزيع اللحوم وتعزيز التكافل داخل المجتمع.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1279