إدارة المحافظات خارج الخدمة!
عندما يكون شعب بأكمله تحت خط الفقر بنسبة تتجاوز 95%، وتغرق شوارعه بالقمامة والمياه العادمة، ويعاني 60% من شبابه البطالة، فإن أقل ما يمكن توقعه هو ألا تتحول «الهفوات» إلى مسلسل كوميدي تراجيدي، يعرَض على حلقات؛ أبطاله محافظون ومسؤولون يتنافسون في تقديم أطرف التصريحات وأغربها، وكأنهم يعيشون في كوكب موازٍ لا تصل إليه أخبار الجوع والحرمان.
ميزانية أكرك عجم!
يُسأل محافظ حلب، عزام الغريب، على الهواء عن ميزانية المحافظة، فيأتي الجواب سؤالاً: «هل تقصد الشاي والسكر والقهوة؟»
الميزانية التي تُخطط لإنعاش مدينة عانت ويلات الحرب أصبحت في ذهن المسؤولين أشبه «بطلبية مقصف».
ولما أثار المقطع ضجة، خرج علينا المحافظ مبرراً قوله «بالمزحة!» أو «اجتزاء المقطع من سياقه»!
والسياق، حقيقةً وواقعاً في المدينة، هو القمامة التي ترتفع كالجبال، والصرف الصحي في الشوارع، والأحياء الغارقة في الظلام، والشوارع المحفّرة التي تبتلع السيارات والمواطنين. أكثر من 14 شهراً من العجز الإداري الفاضح؛ لا خطة، ولا برنامج، ولا رؤية.
السياق... هو أن يرى سكان حلب عمالاً أتراكاً يصلحون الحدائق والكهرباء، فيما البطالة تستعر!
فالفرق بين المزحة والواقع، أن المزحة تُضحك الناس، أما «السياق» فيُبكي الملايين.
«مديون» وما معي!
في لقاء مع أئمة وخطباء، صرح محافظ درعا، أنور الزعبي، بأن «تبرعات حملة «أبشري حوران» لم يصل منها إلا القليل... و10 ملايين من وزارة المالية لم تصل!»
ثم يُفاجئ الحضور باعترافه أن المحافظة مديونة بأربعة ملايين دولار!
فهل المحافظة تستدين خارج الإطار القانوني للتعاقد (المرتبط افتراضاً ببند إنفاق مخصص بالموازنة وله اعتماد مرصود)، وكأنها «بقالية» تطلب بضاعة بالدين؛ وقد وصل بها العجز مع وزارة المالية– على ما يبدو– حتى يخرج محافظها على الملأ ليقول ما قاله؟!
أم إن غياب المسؤولية والشفافية اتجاه ملايين الناس هو منطق الإدارة السائد؟
فسّر الماء بالماء
ولكن لا شيء يشبه بالنسبة للسوريين الطامة الكبرى التي تفوه بها معاون وزير الاقتصاد، ماهر خليل الحسن، وعلى الهواء أيضاً!
فحين وُجّه سؤال للرجل عن سبب غلاء الأسعار كان جوابه الصاعق بأن المشكلة «ليست بالغلاء، بل بقدرة المواطن على الشراء... المواطن القادر على الشراء لن يشعر بالغلاء!»
هذه ليست سخرية من الواقع، هذا واقع ساخر بامتياز، ومحاولة لقلب المعادلة: إلقاء اللوم على الفقير لأنه فقير... وكأن السوري اختار الفقر، وليست السياسات الاقتصادية السابقة واللاحقة هي من ألقت به في هذه الهاوية.
انفصام إداري
قد يتجاوز ما يجري اليوم الجهل بأصول الإدارة، ليكون جزءاً من انفصال تام عن واقع السوريين؛ فبين محافظ يستجدي التبرعات، وآخر قد يرى في «المزاح» التفافاً على جواب من حق الناس معرفته، وثالث ربما لا يعرف ما هي فعلاً «القدرة الشرائية».
يبقى الشعب يعاني من أزمات متراكمة؛ وليس له أمام هذه التصريحات المتتالية سوى أن يضحك... أو يبكي؛ وربما الاثنين معاً، إلى أن تنتهي فصول هذه المسرحية العبثية، وتترجم إدارة محافظة أو بلدية أو مؤسسة إلى مسؤولية إدارة فعلية لحياة الناس ومستقبلهم مع المحاسبة عليها؛ وليس إدارة المزحات والإفلاس والمفردات النظرية الباردة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1279
سلمى صلاح