سعر صرف شكلي وسوق منفلت.. الفقراء يدفعون ثمن الانهيار النقدي والتضخم التّحوطي
منذ مطلع عام 2025 وحتى منتصف الشهر الحالي، استمر المشهد النقدي في سورية ضمن حالة انفصال متزايد بين سعر صرف رسمي ثابت إدارياً، وسعر موازٍ يتحرك وفق واقع السوق والضغوط الاقتصادية الفعلية. فقد بقي السعر الرسمي خلال هذه الفترة قريباً من حدود 11,000– 11,300 ليرة للدولار، مع تغييرات محدودة وشكلية لم تنجح في تحويله إلى مرجعية حقيقية للأسواق أو الأسعار، بينما ارتفع سعر الصرف في السوق الموازي من مستويات تراوحت بين 11,400 و12,300 ليرة مطلع عام 2025 إلى حدود 12,200 – 13,500 ليرة في نهاية العام، قبل أن يصل خلال الأسابيع الأخيرة إلى عتبة 14,000 ليرة للدولار، ثم يتراجع نسبياً إلى حدود 13,900 ليرة، أي بزيادة تقارب 20% إلى 30% مقارنة ببداية الفترة.
لكن الأرقام وحدها لا تعبّر عن عمق الأزمة، لأن السوق السورية لم تعد تتحرك وفق السعر الموازي الحالي فقط، بل وفق ما يمكن تسميته «السعر التّحوطي»، أي السعر المتوقع، أو المحتمل مستقبلاً، والذي يتم على أساسه تسعير السلع والخدمات بهوامش أعلى من سعر الصرف الرائج تحسباً لأي تقلبات جديدة. وهكذا أصبحت الأسواق تُسعّر فعلياً على أساس سعر أعلى من سعر الدولار الموازي نفسه بنسبة تتراوح بين 5-15%، ما حوّل التضخم إلى حالة مزمنة لا ترتبط فقط بارتفاع الدولار، بل أيضاً بالخوف من ارتفاعه.
لقد ظهر هذا التخبط بوضوح خلال الأسبوع الماضي بعد صدور مرسوم التعرفة الجمركية الجديدة، بالتزامن مع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي إلى حدود 14 ألف ليرة. هذا التطور دفع العديد من التجار والموردين إلى تجميد، أو إبطاء حركة سلاسل التوريد نحو الأسواق، بانتظار اتضاح الصورة، فتراجعت حركة السلع مؤقتاً وازدادت حالة الحذر والارتباك في التسعير. ومع بدء استعادة الأسواق جزءاً من نشاطها لاحقاً، جرى تعديل أسعار عدد من السلع والخدمات استناداً إلى التعرفة الجديدة وارتفاع تكاليف الاستيراد، وبرز ذلك بشكل واضح في السلع التي ارتفعت رسومها الجمركية، وخاصة الدخان، حيث انعكس ارتفاع التكلفة بسرعة على المستهلك النهائي.
في المقابل، لم تشهد السلع التي خُفضت تعرفتها الجمركية انخفاضاً مماثلاً في الأسعار، ما يعكس طبيعة السوق غير المتوازنة، حيث تنتقل الزيادات بسرعة إلى المستهلك، بينما تتباطأ، أو تتعطل الانخفاضات. وهذه المفارقة تكشف خللاً أعمق من مجرد تغيرات في سعر الصرف، أو الرسوم الجمركية، إذ إن السوق بات يعمل وفق منطق التّحوط والاحتكار والخوف من المستقبل أكثر من عمله وفق قواعد المنافسة الطبيعية.
في ظل هذا الواقع، تبدو السياسة النقدية القائمة على تثبيت السعر الرسمي عاجزة عن التأثير الحقيقي في الأسعار، أو في القوة الشرائية للعملة المحلية، لأن المرجعية الفعلية للأسواق لم تعد السعر الرسمي أصلاً، بل السوق الموازي والسعر التّحوطي الأعلى منه. وهكذا تحوّل السعر الرسمي إلى رقم إداري معزول عن حركة الاقتصاد اليومية، بينما انتقل العبء الكامل لتقلبات السوق إلى المستهلك السوري، وبخاصة الفئات الأكثر فقراً.
وتزداد خطورة هذه الحالة في ظل التقديرات التي تشير إلى أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، حيث تعتمد الغالبية الساحقة من السكان على دخول ثابتة بالليرة السورية لا تواكب القفزات المتكررة في الأسعار. ومع كل ارتفاع جديد في الدولار، أو الرسوم، أو تكاليف النقل والتوريد، تتآكل القدرة الشرائية أكثر، بينما تصبح الاحتياجات الأساسية، مثل: الغذاء والدواء والطاقة عبئاً متزايداً على الأسر محدودة الدخل.
إن ما يجري عملياً هو تحميل الكلفة الاقتصادية لفشل السياسات النقدية وضعف فعاليتها إلى الفئات المفقرة والهشة اجتماعياً، التي لا تملك أدواتاً للتّحوط، أو الوصول إلى الدولار، أو حماية مدخراتها من التآكل. ففي الوقت الذي يستطيع فيه بعض الفاعلين الاقتصاديين تحويل أموالهم إلى عملات أجنبية، أو إعادة تسعير بضائعهم بشكل مستمر، يبقى المستهلك العادي الطرف الأضعف الذي يتحمل نتائج هذا التشوه النقدي والسعري بشكل مباشر.
كما أن استمرار الفصل بين السعر الرسمي والسوق الموازي، وترك الأسواق تعمل وفق تسعير تحوطي متصاعد، يخلق حالة دائمة من عدم اليقين الاقتصادي، تدفع التجار إلى رفع الأسعار مسبقاً، والمستهلكين إلى القلق والتخزين، وتؤدي إلى إضعاف أي إمكانية لاستقرار حقيقي في السوق. وفي ظل اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، تصبح أي هزة في سعر الصرف، أو الرسوم الجمركية، أو سلاسل التوريد، كفيلة بإحداث موجات جديدة من التضخم وانعدام الاستقرار.
لذلك فإن معالجة هذا الواقع لا يمكن أن تتم عبر السياسات النقدية وحدها، لأن المشكلة لم تعد نقدية فقط، بل أصبحت هيكلية تمس بنية الاقتصاد نفسه.
فاستقرار العملة لا يتحقق بتثبيت إداري منفصل عن الواقع، بل عبر سياسات اقتصادية ومالية وإنتاجية متكاملة تعيد تنشيط الإنتاج المحلي، وتدعم القطاعات القادرة على التصدير، وتخفف الاعتماد المفرط على الاستيراد، بما يسمح بإعادة بناء الثقة التدريجية بالعملة الوطنية، وربطها بالاقتصاد الحقيقي، بدل بقائها رهينة المضاربة والتوقعات والأسواق الموازية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1279