حين تصبح شوارع سورية مصيدة للموت «بداء الكلب»!
لا يصفو صباح في المدن والبلدات السورية ولا يهدأ ليل، فثمة رعب من نوع أخر تسلّل إلى نسيج الحياة اليومية، ليس خوفاً عابراً من نباح مزعج، بل رعب وجودي من جائحة تمشي على أربع، عنوانها «داء الكلب القاتل»!
وبين التصريحات المقتضبة والبيانات المنقوصة، ثمّة جريمة صامتة مخبأة بين السطور تُرتكب بحق السوريين، جريمة التقاعس والإهمال الرسمي التي تحوّلت إلى تواطؤ مع الموت، فحين ترتفع مؤشرات الإصابات بداء لا يعرف الرحمة بنسبة 62,7% خلال عام واحد، لم يعد الحديث عن «التحذيرات» كافياً، بل أصبحنا أمام إدانة أخلاقية وإدارية لسياسات لا تحمي الأرواح بل تراقب سقوطها بصمت.
أرقام تنذر بالكارثة
كشفت تصريحات الدكتور «محمد الحسين»، رئيس قسم الأمراض المشتركة والمستجدة في وزارة الصحة لصحيفة «الوطن» بتاريخ 13/5/2026، عن أرقام صادمة، فقد ارتفع عدد المعرضين للإصابة بداء الكلب من 2,444 حالة في الربع الأول من عام 2025 إلى 3,977 حالة في الفترة نفسها هذا العام، ثم تسارع الوزارة لتجميل الصورة بالحديث عن «طفرة كبرى» في أعداد المستفيدين من اللقاح بنسبة 271%، من 1,244 إلى 4,618 مستفيداً.
لكن هذه الأرقام لا تحكي القصة كاملة، فالاعتراف الرسمي بتسجيل حالة وفاة واحدة فقط ليس إلا قمة جبل الجليد، بينما عشرات الحالات تُدفن في صمت القرى والأرياف، ضحايا لغياب الرصد وانهيار المنظومة الصحية. فالتصريح الرسمي المُعد للاستهلاك الإعلامي ليس شهادة نجاح، بل اعتراف صريح بالعجز، فكم مصاب لفظ أنفاسه الأخيرة بعد أن مزّق الفيروس جهازه العصبي، دون أن يعلم عنه أي سجل صحي رسمي؟!
ترحيل للأزمة أم حل وهمي؟
في مواجهة هذا الخطر المتفاقم، كان رد الجهات المعنية إطلاق ما يسمى باستراتيجية (TNVR) التي تقوم على «التقاط الكلاب الشاردة وتلقيحها وتعقيمها ثم إطلاقها» مجدداً إلى الشوارع. باختصار، يتم إعادة الحيوان الذي هاجم طفلاً قبل أسابيع إلى الحي نفسه حاملاً «شهادة تلقيح!»، هذا الحل الذي تقدمه وزارة الصحة بالتعاون مع وزارات الزراعة والإدارة المحلية، ليس إلا هروباً من المواجهة الحقيقية للأزمة وإعادة إنتاجها بعبوة بيروقراطية أنيقة والنتيجة: الواقع يراوح مكانه.
لا تحتمل التأجيل...
تفاقمت ظاهرة الكلاب الشاردة منذ سنوات الحرب مع انتشار الركام والمباني المهجورة وتراكم النفايات الذي لم يصار إلى حلها حتى الآن، مما خلق بيئة خصبة لتكاثرها، لكن ما كان مفهوماً في زمن الحرب لم يعد مقبولاً اليوم، حيث عادت الحركة إلى الشوارع ليلاً ونهاراً، ليجد المواطنون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع قطعان الكلاب «الشرسة والمسعورة» التي اعتادت على الفراغ الذي خلّفته سنوات الخوف، خاصة في الفترة الصباحية عند ذهاب الطلاب إلى مدارسهم وتوجه الموظفين إلى عملهم أو أثناء عودتهم في المساء.
وعليه، فأين دور الجهات المعنية (محافظات وبلديات) في مكافحة هذه الظاهرة منذ البداية ومعالجتها من جذورها وتقديم حلول مستدامة لا «مسكنات»، وأين دورهم في تأمين الأمان وسلامة المواطنين أم إن المهام بهذا الخصوص «شردت» هي الأخرى؟!
ورغم أن وزارة الصحة تؤكد أن «اللقاح والمصل يُقدمان مجاناً»، فإنها تعترف في الوقت نفسه بوجود «صعوبات لوجستية متعلقة بالاستيراد»، مما يعني أن تأمين العلاج ليس مضموناً في أي لحظة، فإلى متى يظل المواطن رهينة تحذيرات لا تحمي، وبيانات لا تكفي، وخطط لا تُنقِذ؟، فسلامة الناس ليست مشروعاً مستقبلياً ولا «منّة» رسمية تُقدم على استحياء، إنها «واجب» ومسؤولية لا يساوم عليها، وإلا فإن حالة الوفاة الوحيدة «المُعترف بها» اليوم ستصبح غداً عشرات الحالات التي لم تجد طريقها حتى إلى الإحصاءات الرسمية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1279
منية سليمان