حوادث الغرق تتكرر في المسطحات المائية بين غياب منظومة السلامة العامة وضعف الوعي.!
لم تعد حوادث الغرق مجرد أخبار عابرة في سورية، بل تحولت إلى ظاهرة موسمية مقلقة، فبعد سنوات من الجفاف القاسي، عادت الحياة إلى المسطحات المائية بسبب الموسم المطري جيد، لكن هذه العودة حملت معها وجهاً مأساوياً، حيث تحولت السدود والبحيرات من متنفس يلوذ به السوريون هرباً من قسوة الواقع المعيشي، إلى مصائد تبتلع أرواحهم، وخاصة الأطفال.
الحوادث تتكرر
كشفت الأرقام الرسمية لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث عن 28 حالة غرق في الربع الأول من العام، وهي حصيلة مرتفعة تنذر بتفاقم الكارثة قبل حتى بدء فصل الصيف، فيوم الجمعة 1 أيار كان شاهداً على هذه المأساة، حيث غرقت طفلة في سد المزينة بريف حمص، وأخرى في بحيرة ميدانكي شمال حلب، بينما قضى طفل في حفرة مائية بعمق 6 أمتار في مدينة أعزاز، وشاب في ساقية بوادي السفيرة في حلب.
ما يثير تساؤلات حول منظومة السلامة العامة ومدى فاعلية الإجراءات الوقائية المتبعة في محيط السدود أو البحيرات وغيرها من مناطق المياه المفتوحة؟!
متنفس يدفع نحو الموت
في ظل واقع معيشي قاسٍ وفقر معمم، تحولت هذه المسطحات المائية إلى بديل قسري عن شواطئ البحر أو أي بدائل أخرى كالمسابح التي باتت حُلماً بعيد المنال للغالبية المفقرة، فتبحث العائلات عن متنفس مجاني، وعن نزهة تخفف من وطأة هموم الحياة اليومية، غير مُدركة أن هذه الرحلة المؤقتة قد تتحول إلى رحلة بلا عودة.
إنها الحلقة الأشد مرارة في سلسلة الإهمال الرسمي، حيث يُدفع المواطن المفقر أمام أوضاعه الاقتصادية والمعيشية القاسية، إلى أحضان الخطر.
منسيات الأمس... مصائد اليوم
تشكل هذه المسطحات المائية خطراً طبيعياً مضاعفاً يجعلها غير صالحة وآمنة للسباحة، فالمياه العذبة أقل كثافة من مياه البحر فتسحب الجسم للأسفل، كما قد تؤدي برودتها إلى تشنجات عضلية مميتة، ويخفي القاع الموحل والأعشاب الكثيفة التي تعيق الحركة دوامات وتيارات ساحبة تجعل النجاة شبه مستحيلة، فهذه الحقائق تجعل من غياب أدنى إجراءات السلامة العامة إهمالاً لا يغتفر.
بيروقراطية الكارثة
يبرز الإهمال الرسمي في أبشع صوره؛ فلا إشارات تحذيرية تمنع الاقتراب وتحدد المناطق الخطرة، ولا سياج يحد من الوصول إليها، كما لا وجود لأي عناصر حراسة أو فرق إنقاذ مجهزة، فالإجراءات الوقائية لا تتجاوز ردود الفعل البيروقراطية المتأخرة بعد وقوع الكارثة، وأوضح مثال على ذلك تعميم محافظة حمص الذي صدر بعد يوم من غرق الطفلة في سد المزينة والذي يفترض أن يكون استباقياً على اعتبار أنها ليست الحادثة الأولى، وإن استمر النهج الرسمي القائم على ردود الفعل والتهرب من المسؤولية، سيكون تكرار المأساة أمراً محتوماً.
مسؤولية مشتركة
في خضم هذا الاستهتار، لا يمكن إغفال المسؤولية المباشرة للأهل، فمعظم الضحايا هم من الأطفال، والخطر لا يرتبط بالسباحة فقط، بل في اللعب أو الاقتراب من حواف السدود ما يهدد حياة الطفل بانزلاق بسيط، فغياب المراقبة المباشرة وضعف الوعي بخطورة هذه المواقع، يضاعف من حجم الكارثة.
لن تنتهي هذه المعاناة ما لم تتحمل الجهات المعنية مسؤولياتها عبر تطبيق إجراءات ميدانية استباقية بتنظيم المواقع المائية وتحديد مناطق الخطر وتعزيز الرقابة، كما إطلاق حملات توعية عبر مختلف وسائل الإعلام والتواصل وحتى في المدارس، فالسلامة العامة ليست «تصريحاً إعلامياً» يصدر بعد فوات الأوان، بل هي حق أساسي، وواجب الدولة أن تحمي مواطنيها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277
منية سليمان