التسول في سورية، شهادة صامتة على فشل الدولة...!
أصابعٌ صغيرة تمسح زجاج السيارات، أيادٍ ناعمة تبيع المناديل، وعيونٌ غائرة تمد لك كفّها باستجداء، إنهم ليسوا مجرد «متسولين» أو «باعة متجوّلين» في لغة التقارير الجافة، إنهم طفولةُ سورية التي تُسلب يومياً بين اقتصاد منهارٍ ولا مبالاة رسمية وجشع شبكات تتربح على أوجاعهم!
فالتسول أصبح ظاهرة متفاقمة تنخر جسد المستقبل السوري، بينما تكتفي الدولة بمعالجات شكلية كمن يرش العطر على ورم خبيث.
اقتصاد الظل والظلام
لم يعد استغلال الأطفال عملاً فردياً عشوائياً، بل اقتصاد ظل متكامل، ففي حلب مثلاً، تظهر اليوم أخطر أشكاله في دفع الأطفال لتنفيذ عمليات نشل حقائب، سرقة ألواح الطاقة الشمسية، عدادات المياه، وكابلات الإنترنت، بل وحتى السجاد من شرفات المنازل، ليتلاشوا بعدها كالدخان، تاركين خلفهم حسرةً ورعباً يومياً يُحسب له ألف حساب.
هؤلاء ليسوا «لصوصاً صغاراً» بل أدوات في يد عصابات تستغل تشردهم وحاجتهم، لتتصدق عليهم «بالفتات» مقابل تحويلهم إلى ماكينات ربح.
فهناك أكثر من 70% من حالات التسول في حلب «امتهانٌ منظّم» وفق ما نشرته صحيفة «الثورة» بتاريخ 13/1/2026. فتحولت شوارع غالبية المحافظات إلى سوق مفتوحة للتسول المقنّع؛ بيع المناديل، مسح الزجاج، نبش القمامة وجمع الخردة ومخاطر ذلك على صحتهم، أما المشردون الحقيقيون يفترشون الأرصفة وينامون في الحدائق العامة، بلا سند، بلا حماية، وبلا أمل.
جذر الكارثة
لا يمكن فهم هذه المأساة بمعزل عن الجريمة الاقتصادية الممنهجة التي سبقتها، فاليوم يعيش 90-95% من السوريين تحت خط الفقر وفق تقارير دولية، هذا يعني أن ملايين الأسر مفقرة عاجزة عن تأمين لقمة العيش.
ما فاقم الكارثة هو ارتفاع نسبة التسرب المدرسي، فهناك ما بين 2,4-2,5 مليون طفل خارج المدرسة، فالدمار الذي طال البنى التحتية بما فيها المدارس وانهيار الاقتصاد وغياب دور الدولة ضاعف من حاجة الأطفال إلى إعالة أسرهم التي فقدت معيلها بسبب الموت أو العجز والفقر ليتحولوا إلى عمالة هامشية وفرصة للاستغلال، وعليه فالتسول ليس نتيجة للفقر بل تشابك لعشرات الظواهر الأخرى، مثل: عمالة الأطفال، التسرب من المدارس، العنف الأسري، تفكك الروابط الاجتماعية، انهيار القيم، حتى الجريمة.
غياب متعمد
السياسات الحكومية الظالمة تعد وحدها المسؤولة عن تفشي هذه الظاهرة كما غيرها من الظواهر السلبية، اعتباراً من سياسات تجميد الأجور والمزيد من الإفقار المتعمد مروراً بتقليص الإنفاق العام وصولاً إلى جيوش من العاطلين عن العمل، وليس انتهاءً بحماية مصالح كبار التجار والمستغلين والفاسدين على حساب مصالح المفقرين، كلها عوامل فككت النسيج الاجتماعي وحولت الحماية الاجتماعية إلى ذكرى، فالدولة التي يُفترض أن تحمي أطفالها ، هي من ألقت بهم إلى الشارع، فضبوط المكافحة مسكنات لا تعالج جذورها، بل تتعامل معها كأنها «مشهد طارئ» يمكن إخفاؤه عن الأنظار.
هذا ليس فشل في إدارة ملف التسول بل تهرب صريح من المسؤولية، فأين برامج الدعم؟ أين الخطط الاقتصادية؟ أين تحسين الأجور؟ وأين الخدمات؟!
وحدهم يدفعون الثمن؟
هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد أرقام، بل أجيال مهمشة يدفعون الثمن من كرامتهم ومستقبلهم وصحتهم، طفل يتسول اليوم هو شاب محطم غداً، هو أب عاجز بعد غد، هو حلقة جديدة في سلسلة الفقر والتفكك التي ستبتلع المجتمع بأسره، وقطع هذه السلسلة لا يكون بحملات أمنية مؤقتة وتصوير المتسولين وكأنهم مجرمون أو غرباء عن المجتمع، ولا ببيانات استنكار، ولا بتأهيل مراكز إيواء تبتلع الأطفال مؤقتاً ثم تلفظهم إلى الشارع ثانية.
المعالجة تبدأ برؤية سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة تعيد بناء الإنسان قبل الحجر، وتضع كرامته فوق أرباح السوق، وتجعل من المدرسة بوابة مستقبل لا من الجوع طريقاً إلى الجريمة، فتعيد إحياء عجلة الإنتاج ليعيد المجتمع بناء نفسه.
فإلى متى سيبقى أطفال سورية يُباعون ويُشترون في أسواق «البؤس المُعلّب» بينما الدولة تتفرج دون أي خطة وطنية حقيقية لإنقاذ ما تبقى؟!
آن الأوان لاعتراف الدولة بهذه المأساة التي لا يمكن حلها إلا بإنهاء الفقر، فلا عدالة دون دولة تحترم نفسها وشعبها وتضمن له العيش الكريم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277
رهف ونوس