ارتفاع أسعار الأسمدة وتداعياته على الزراعة في سورية

ارتفاع أسعار الأسمدة وتداعياته على الزراعة في سورية

تشير بيانات البنك الدولي في تقارير أسواق السلع لعام 2026 إلى احتمال ارتفاع أسعار الأسمدة عالمياً بنحو 30% أو أكثر، في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة وتزايد التوترات الجيوسياسية في مناطق الإنتاج والتجارة. هذا الارتفاع، رغم أنه يبدو رقماً عالمياً عاماً، إلا أن أثره في دول هشة اقتصادياً مثل سورية يتجاوز بكثير المتوسطات الدولية، لأنه يضرب قطاعاً زراعياً يعاني أصلاً من ضعف الإنتاجية وارتفاع كلفة المدخلات وانخفاض القدرة الشرائية للمزارعين.

في الحالة السورية، لا تمثل الأسمدة مجرد عنصر إنتاج، بل هي عامل حاسم في تحديد ما إذا كان الموسم الزراعي سينجح أو يفشل. ومع ارتفاع أسعارها بهذا المستوى، سيجد المزارعون أنفسهم أمام معادلة صعبة؛ إما تقليل استخدام الأسمدة إلى الحد الأدنى أو التخلي عن زراعة بعض المحاصيل الأساسية. وفي كلتا الحالتين ستكون النتيجة واحدة تقريباً، وهي انخفاض واضح في إنتاجية الأرض.
فالمحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والشعير والخضار تعتمد بشكل مباشر على التسميد المنتظم، وأي تراجع في استخدامه سينعكس سريعاً على كمية الإنتاج وجودته، وقد يصل الانخفاض في بعض الحالات، بحسب بعض الاختصاصيين، إلى ما بين 10% و25% أو أكثر بحسب طبيعة الأرض ونوعية الري.

هذا التراجع لا يتوقف عند حدود الحقول الزراعية، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية في الريف السوري. فمع ارتفاع تكاليف الإنتاج دون مقابل مماثل في أسعار البيع، ستتراجع ربحية الزراعة إلى مستويات متدنية تدفع العديد من المزارعين إلى تقليص نشاطهم أو حتى ترك أراضيهم بشكل جزئي. ومع الوقت، سيتحول هذا الضغط إلى عبء اجتماعي يتمثل في زيادة الديون الريفية، وبيع بعض الأصول الإنتاجية، وتزايد الاعتماد على مصادر دخل غير مستقرة مثل التحويلات أو الأعمال المؤقتة.
ومع انخفاض الإنتاج المحلي، سينتقل الأثر سريعاً إلى الأسواق، حيث يقل المعروض من المواد الغذائية الأساسية وترتفع أسعارها بشكل متسارع، ما يخلق حلقة تضخمية تضرب القدرة الشرائية للأسر. وفي بلد يعتمد جزء كبير من سكانه على الغذاء المحلي أو شبه المحلي، يصبح أي خلل في الإنتاج الزراعي مرتبطاً مباشرة بالأمن الغذائي. وهنا يتضح أن ارتفاع أسعار الأسمدة ليس مجرد قضية زراعية تقنية، بل هو عامل يحدد مستوى الاستقرار المعيشي والغذائي لملايين الأشخاص.
أمام هذا الواقع، يصبح الدور المفترض للدولة محورياً وليس هامشياً. فالمعالجة لا يمكن أن تكون عبر إجراءات جزئية أو موسمية، بل تتطلب سياسة اقتصادية زراعية متكاملة تبدأ أولاً من تأمين الأسمدة كسلعة استراتيجية يجب تشجيع وزيادة إنتاجها محلياً، وعبر عقود استيراد طويلة الأجل تقلل تقلب الأسعار، وعبر دعم مباشر وموجه للفئات الأكثر إنتاجاً، وخاصة مزارعي المحاصيل الأساسية مثل القمح. وربما من الضروري الانتقال إلى دعم ذكي مرتبط بالإنتاج الفعلي مع عدم تغييب أهمية دعم الاستهلاك العام.

إلى جانب ذلك، يفترض أن تعمل الدولة على تعزيز كفاءة استخدام المدخلات الزراعية بدل التركيز على كميتها فقط، من خلال الإرشاد الزراعي والتقنيات الحديثة التي تسمح بتحقيق إنتاج جيد بكميات أقل من الأسمدة. فرفع الكفاءة يمكن أن يعوض جزئياً ارتفاع الأسعار ويخفف من الضغط على المزارعين. كما أن إنشاء مخزون استراتيجي من الأسمدة والمواد الزراعية الأساسية يمكن أن يشكل صمام أمان في مواجهة الصدمات الخارجية، ويمنع حدوث أزمات مفاجئة خلال المواسم الزراعية.
ولا يقل عن ذلك أهمية العمل على حماية دخل المزارع نفسه، لأن استمرارية الإنتاج مرتبطة بقدرة الفلاح على البقاء في دائرة الزراعة دون خسائر مزمنة. وهذا يتطلب توجيه الدعم نحو الإنتاج بالإضافة إلى التعويض بالأسعار، وتحسين شروط التسويق الزراعي، وضبط حلقات الوساطة التي تستنزف جزءاً كبيراً من القيمة المضافة.

إن ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة 30% كما تشير إليه التوقعات الدولية لا يمكن النظر إليه كرقم اقتصادي منفصل، بل كعامل ضاغط قد يعيد تشكيل قطاع الزراعة في سورية بأكمله. وإذا لم يُقابل بسياسات حكومية مرنة وموجهة نحو الإنتاج والأمن الغذائي، فإن النتيجة ستكون تراجعاً تدريجياً في الإنتاج الزراعي، وتزايداً في الضغوط المعيشية، واتساعاً في الفجوة بين ما ينتجه الريف وما يحتاجه السكان من غذاء.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1276