هل هي أزمة حلول أم أزمة إرادة في تطبيقها؟!
منية سليمان منية سليمان

هل هي أزمة حلول أم أزمة إرادة في تطبيقها؟!

ما زالت مشكلة هروب السائقين العاملين على سرافيس نقل المواطنين من الخطوط المرسومة أو اختصارها قائمة وخاصة الخطوط التي تعتبر طويلة بل وحتى القصيرة منها مثل المزة 86، فالمشكلة زادت واستفحلت بما لا يقاس بكل المبررات، ما جعل تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة، معارك وجود حقيقية.

واقع الحال يقول: إن مشكلة المواصلات داخل العاصمة دمشق مستمرة ويدفع ضريبتها المواطنون يومياً على عدة مستويات، اعتباراً من الازدحام مروراً بانعدام وقوف السرافيس على بعض الخطوط في مراكز الانطلاق الرئيسية وصولاً إلى امتناع بعض السرافيس عن استكمال الخط المرسوم بذرائع كثيرة وعديدة مفبركة، ناهيك عن عدم وجود من يلجأ إليه هؤلاء عند تعرضهم لكل هذا الغبن والاستغلال.

فمن المسؤول عن حل مشكلات الانتظار واستهلاك عامل الزمن الذي يدفع ضريبته هؤلاء يومياً، بالإضافة إلى التعب والجهد والإرهاق، والنتيجة أنه على المواطن تحمل هذا العبء وحده.
فعلى خط «مزة 86 خزان»، يخوض الأهالي معركتهم اليومية ضد نموذج مصغر من الفوضى واللا مبالاة الرسمية، فيعانون من مشكلة ليست وليدة اليوم، بل هي «جديدة قديمة» وتتفاقم، وهي أن السرافيس على الخط مفقودة وخاصة خلال أوقات الذروة، والأهم عدم وصولها إلى نهاية الخط في منطقة «البرامكة»، بل يتوقف معظم السائقين عند «دوار سوق الشيخ سعد» ليعودوا أدراجهم ومقابل أجرة كاملة (3000 ل.س)، مما يضطر الراكب ليستقل سرفيساً آخر، ليدفع 12,000 ل.س في حال التنقل اليومي ذهاباً وإياباً، أي مبلغ 6000 ل.س عبء إضافي، والإجمالي 300,000 ل.س شهرياً.

لإدراك فداحة هذا الرقم، يجب وضعه في سياقه الاقتصادي المعيشي، ففي الوقت الذي يتراوح فيه متوسط راتب الموظف في القطاع العام بين 900 ألف و1,5 مليون ل.س، تبتلع تكاليف المواصلات على هذا الخط وحده ما لا يقل عن ثلث الدخل، فهذه المعادلة المُرّة تعني أن الموظف متدني الدخل أو الطالب الجامعي الذي يتقاضى مصروفه من أهله يدفعون ثمناً للفوضى وليس لخدمة حقيقية.
إنها عملية سطو اقتصادي «مقوننة» يومياً على الطبقة الأكثر فقراً وهشاشة، خاصة على أحياء الفقر كالمزة 86.
وفي ظل غياب أي رقابة فاعلة، يستعر سوق الأعذار الواهية الذي يردده السائقون كأسطوانة مشروخة، «مو طالع... بدي عبي مازوت»، إلى جانب مبررات أخرى «مُخالفة» مرتبطة بنقل الطلاب خلال الموسم المدرسي أو العاملين وتحويل الخط العام إلى خدمة خاصة مربحة على حساب آلاف المواطنين وأمام المرأى والمسمع الرسمي.
مرت السنوات والشكاوى مستمرة كما المعاناة، فتبدلت الوجوه، وبقيت المشكلة قابعة مكانها، بل وتفاقمت.
الحلول الترقيعية لا تجدي نفعاً، بتكليف شرطي مرور، ما يلزم السائقين «مؤقتاً» عند تواجده لتعود الحال كما كانت عليه فور ذهابه، فالمطلوب دراسة المقترحات التي دفنت في أدراج المكاتب «بتقاضي نصف الأجرة 1500 ل.س حتى دوار سوق الشيخ سعد»، وهو إجراء سيجبر السائقين الالتزام «طمعاً» بالأجرة الكاملة، فلم يعد مقبولاً هذا الصمت المريب من محافظة دمشق وإدارة المرور ومديرية النقل، فلقد «بلغ السيل الزُّبى»، فالحل ليس معجزة، بل يبدأ بتضافر الجهود المعنية بقرار جريء وتطبيق فوري لحلول جذرية.
ما يحدث في «مزة 86» ليس مجرد إخفاق تنفيذي، بل هو عنوان لفشل أوسع، حيث يدفع المفقرون ثمن غياب هيبة القانون من قوت يومهم في ظل ازدياد قسوة الوضع المعيشي، فقد آن الأوان أن تتحمل الجهات الرسمية المسؤولية وتؤدي مهامها وواجباتها في خدمة المواطن، وليس إدارة أزمته، ففي هذا الحي، وحتى إشعار آخر، من لا يملك ثمن «الفوضى»، عليه أن يمشي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1276