الكارثة الصحية التي تلوح في الأفق!
فرح شرف فرح شرف

الكارثة الصحية التي تلوح في الأفق!

مع اقتراب فصل الصيف، يترقب السوريون كارثة صحية، تتشكل بصمت تحت أكوام من القمامة المتعفنة، ومياه شرب مختلطة بالصرف الصحي، وأنهار تختنق بأخطر النباتات الغازية في العالم.

يبدو المشهد من فيلم كوارث، لكنه واقع يومي يعيشه السوريون في عموم المحافظات، وسط غياب تام لأي خطة احترازية، وفي ظل انهيار مدمر للقطاع الصحي العام، وقطاع خاص يستنزف الجيوب.


مدنٌ غارقة بالقمامة


لم تعد القمامة في أغلب المدن والبلدات، وحتى في أحياء العاصمة، مجرد منظر مألوف، بل جبل متراكم لأكثر من عام.
فما كان بالأمس مشكلة تقنية أصبح اليوم كارثة وبائية في طور التشكل. وأسباب التراكم الرئيسة ليست سرية: انهيار عقود الترحيل، وتوقف آليات البلديات، ونقص الكوادر.
ولكن النتيجة واحدة، أكوام من القمامة تحت أشعة الشمس، ذباب وفئران تجد في كل زاوية ضالتها المنشودة، ورائحة المرض تسبق الحشرات إلى منازل المواطنين.


المياه... سمٌّ قاتل!


إذا كانت القمامة كارثة فوق الأرض، فإن المياه الملوثة تحت الأرض وفي الشبكات هي القاتل الصامت. فحوادث اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي لم يعد استثناءً. إنها القاعدة في أحياء بكاملها في درعا وريف دمشق وريف حلب وغيرها.
لكن المشكلة أن المواطن المفقر الذي لا يملك ثمن مياه معبأة، يضطر للشرب من الشبكة، أو شراء مياه صهاريج مجهولة المصدر.
النتيجة أيضاً؛ صيف حار يزيد من استهلاك المياه، ودورة مستمرة من الأمراض التي تنتهي في مشافٍ لا دواء فيها وربما لا أطباء!
وفي مثال واحد، تحول نهر العاصي إلى مقبرة بيئية. تغطي «زهرة النيل» – وهي من أخطر النباتات الغازية– مساحات شاسعة من النهر، وتشكل بساطاً كثيفاً يقطع الأوكسجين، ويقتل الحياة في النهر ويحوله إلى مستنقع راكد.


انتظار الكارثة!


الأخطر هو نمط الإدارة المتبع، أو بالأحرى «اللا إدارة». فالسلطات الصحية والبيئية «احترفت» انتظار الكارثة؛ فتحول 27 حالة التهاب كبد وبائي، على سبيل المثال، في محجة بريف درعا إلى 100 حالة في أقل من أسبوع ليس عشوائياً، بل انعكاس لانهيار بنية الرصد الوبائي، وغياب المختبرات، وشح الكوادر.


أين المهرب؟


مع انهيار القطاع الصحي العام؛ حيث المستشفيات بلا أدوية، والمستوصفات بلا كوادر، وأجور لا تغطي النفقات اليومية، لا يجد السوري منفذاً.
أما القطاع الخاص فهو صورة مشوهة للعلاج؛ أسعار جنونية، وطبابة بالدولار!
لتعود الدائرة المفرغة... الفقر يؤدي إلى سوء التغذية وضعف المناعة؛ ضعف المناعة تجعل الفقراء أول من يصاب بالأمراض من المياه والقمامة، والإصابة بالمرض تعني انتظار الرحمة في أروقة المستشفيات العامة، أو استدانة أو بيع آخر ما تبقى من ممتلكات، فيما الديون والعوز يزيدان من سوء التغذية.
وهكذا في دوامة تنتهي بالموت البطيء!
إن ما يلوح في الأفق هذا الصيف هو كارثة مركبة... أوبئة متزامنة (الليشمانيا، والكبد الوبائي، وأمراض الجهاز الهضمي وغيره)، وانهيار استشفائي، وفقر مدقع يحول العلاج إلى رفاهية.
وهذا كله متوقع، ومحذَّر منه، ويمكن الوقاية منه بجزء بسيط من تكلفة الاستجابة لاحقاً. لكن التفاعل «بعد» الكارثة هو نتاج نظام منهك اقتصادياً، وفاسد إدارياً، ومستنزف نهبوياً.
الكارثة القادمة، مع الاستمرار بهذا النهج، لن تقتصر على كونها اقتصادية-اجتماعية فقط، بل صحية بيئية بالدرجة الأولى.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1276