البؤس الذي عمّ البلاد... والأفق الذي لا بد أن يُفتح

البؤس الذي عمّ البلاد... والأفق الذي لا بد أن يُفتح

لم يعد ما يحدث في سورية اليوم مجرد «فقر» يمكن تبريره بالأزمات أو تفسيره بالأرقام الباردة عبر بعض الرسميين، بل أصبح مشهداً قاسياً يقترب من حدود الانهيار الإنساني اليومي، حيث تحولت الحياة نفسها إلى عبء ثقيل يُفرض على الناس دون رحمة، وكأن المجتمع كله يُدفع دفعاً إلى مساحة ضيقة لا تتسع إلا للبقاء على قيد الحاجة، لا على قيد الحياة الكريمة.

إن الحديث عن 90% أو 95% من السوريين تحت وطأة الفقر لم يعد مجرد توصيف إحصائي، بل هو في جوهره إعلان عن واقع اجتماعي مقلوب، واقع يُدفع فيه الناس إلى حافة العجز الكامل، حيث لا يعود العمل عملاً، ولا الدخل دخلاً، ولا الحياة حياةً بالمعنى البسيط الذي يفهمه أي إنسان.
فكيف يمكن لأسرة أن تعيش بكرامة وهي تحسب قوت يومها باللحظة، وتخاف من الغد كأنه تهديد مباشر؟
وكيف يمكن لطفل أن يرى مستقبلاً، ومدرسته تتآكل، وبيته ينهار اقتصادياً قبل أن ينهار مادياً، ومحيطه كله يردد بصمت أن الغد لن يكون أفضل؟
ما يجري امتداد لأزمة مستمرة ومتفاقمة، ولتراكم طويل من الانكسارات التي لم تُعالج، ومن سياسات أو عجز أو تهاون جعلت المجتمع ينزلق طبقة بعد طبقة نحو الأسفل، حتى تلاشت الحدود بين الطبقات تقريباً، ولم يبقَ سوى قلة مترفة تتشبث بمواقعها ومكتسباتها، وغالبية ساحقة تُدفع إلى قاع يومي من الحرمان.
والأخطر من كل ذلك أن الدور المفترض للدولة، الذي يُفترض أن يكون الحاجز الأخير أمام استمرار هذا الانهيار، يبدو اليوم غائباً، بل مغيباً عملياً أو عاجزاً عن القيام بوظيفته الأساسية، تماماً كما كان عليه الحال قبل سقوط سلطة الأسد.
فحين تتراجع القدرة على ضبط الاقتصاد، وحين تتآكل الخدمات العامة، وحين يُنهى الدعم ويصبح المتبقي منه غير كافٍ أو غير فعال، يُترك الناس وحدهم في مواجهة سوق قاسٍ ومنفلت لا يرحم، ولا يعترف إلا بالقدرة على الدفع أو السقوط. وهنا لا يعود الفقر مجرد نتيجة، بل يتكرس مجدداً كنظام كامل يعيد إنتاج نفسه بلا توقف، بينما تتآكل معه فكرة العدالة الاجتماعية ذاتها.
إن البؤس الذي يعيشه السوريون اليوم ليس في الجوع أو نقص الدواء أو تدهور الخدمات فقط، بل في هذا الشعور الثقيل بأن الحياة ما زالت تُسحب منهم ببطء، وأن كل محاولة للنجاة تتطلب تنازلات أكبر من قدرتهم على الاحتمال. إنها استمرار لحالة الإنهاك الجماعي، التي تتداخل فيها المعيشة بالقلق، والاقتصاد باليأس، والواقع بالانكسار اليومي المستمر.

وإذا استمر هذا النهج دون تغيير حقيقي وجذري، فإن ما ينتظر المجتمع ليس مجرد مزيد من الفقر، بل مزيد من الكوارث الاقتصادية والاجتماعية بشكل أعمق، وتفكك اجتماعي أكثر تسارعاً، واتساع الفجوة الطبقية، وانهيار تدريجي في القدرة على إعادة إنتاج مجتمع متوازن. وحينها لن يكون السؤال عن «كيف نخرج من الفقر»، بل عن «كيف بقي المجتمع متماسكاً أصلاً إلى هذا الحد».
إن أخطر ما في هذا الواقع ليس شدة قسوته فقط، بل مساعي تكريس اعتياده. بأن يصبح البؤس مألوفاً، وأن يتحول الانهيار إلى يوميات عادية، وأن يتقبل الناس ما كان يُرفض سابقاً باعتباره قدراً لا يمكن تغييره. فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل بصمت، خطوة خطوة، حتى تصل إلى نقطة يصبح فيها الإصلاح أكثر كلفة من الانهيار نفسه.
وهذا بالضبط ما يجعل اللحظة الحالية لحظة إنذار ثقيل، فاستمرار هذا المسار يعني ببساطة دفع المجتمع نحو مستقبل أكثر قسوة، لا يترك فيه الفقر مجالاً للحياة، بل يحول الحياة نفسها إلى شكل من أشكال البقاء المرهق، بلا أفق، وبلا ضمانات، وبلا معنى حقيقي للاستقرار.

لكن رغم هذا المشهد القاسي، ورغم كل ما يثقل الواقع من انهيار وضيق وبؤس ممتد، يبقى من المهم التذكير بأن «بقاء الحال من المحال»، وأن التاريخ الاجتماعي لا يعرف الجمود المطلق مهما بدا الواقع خانقاً أو مغلقاً. فالمجتمعات، حتى حين تُحاصر اقتصادياً وتُستنزف معيشياً وتهمش سياسياً، لا تتوقف عن البحث عن مخارج، ولا تفقد قدرتها على إعادة ترتيب أولوياتها عندما يبلغ الانسداد حدّه الأقصى.
والحالة السورية بخبرتها المكتسبة تقول إنه حين يُغلق الأفق أمام الناس، لا يعني ذلك نهاية الحركة، بل غالباً ما يكون بداية مرحلة جديدة من إعادة التفكير وإعادة الفعل، لأن المجتمعات لا يمكن أن تعيش طويلاً داخل دائرة مغلقة من الحرمان دون أن تولّد من داخلها أشكالاً مختلفة من المقاومة الاجتماعية أو التكيف والدفع نحو التغيير. قد يتأخر هذا التغيير، وقد يأتي متعثراً وثقيلاً أو مشوهاً، لكنه يظل ممكناً طالما بقيت الحياة نفسها مستمرة.

ولعل من أهم الدروس والعبر المكتسبة من سني الحرب والأزمة المستمرة أن استعادة المعنى الإنساني للحياة لا تأتي من انتظار الظروف أن تتحسن تلقائياً، بل من الإدراك بأن هذا الانسداد، ومساعي تأبيده السابقة واللاحقة، لا يمكن أن يكون قدراً دائماً. فالواقع الذي يصل إلى حد الاختناق الكامل يفرض في النهاية سؤال التغيير، ويعيد فتح النقاش حول ما يجب أن يتبدل كي تستعيد الحياة توازنها ومعناها، في الاقتصاد، وفي العدالة الاجتماعية، وفي توزيع الفرص، وفي السياسة، وفي دور المؤسسات التي وُجدت أصلاً لحماية الناس لا لإثقالهم.

وفي قلب هذا التعب الطويل، تبقى الحقيقة الأهم أن المجتمع السوري لا يُختزل في أزماته، مهما طالت وتعمقت، وأنه مهما ضاقت به السبل، يظل قادراً، في لحظة ما، على إعادة فتح الأفق من جديد، واستعادة قدرته لفرض إرادته بأن يجعل الحياة أكثر عدلاً وإنسانية وكرامة.
استناداً إلى كل ما سبق، يصبح تشكيل حكومة وحدة وطنية خطوة عاجلة وملحّة لا تحتمل التأجيل، لا بوصفها خياراً سياسياً فحسب، بل كمدخل وحيد واقعي للخروج من البؤس المعمم الذي يثقل حياة السوريين. فمن دون إطار جامع قادر على توحيد الجهود، لا يمكن استثمار ما راكمه السوريون من خبرات قاسية خلال سنوات الحرب والأزمة، ولا تحويل دروسها وعبرها إلى سياسات إنقاذ وإعادة بناء. فحكومة الوحدة الوطنية هي الأداة الضرورية لالتقاط هذه الخبرات، وتوجيهها نحو استعادة الحد الأدنى من التوازن الاقتصادي والاجتماعي، وتهيئة الأرضية لانعقاد مؤتمر وطني عام جامع، تُناط به مهمة رسم المسار المستقبلي للبلاد، وصولاً إلى صياغة دستور جديد يضمن وحدة البلاد والعباد ويصون السيادة الوطنية، وإقرار قانون انتخابي عصري وعادل يؤسس لتمثيل حقيقي ويعيد بناء الشرعية على قاعدة المشاركة والمساءلة، بما يفتح أفقاً فعلياً لاستعادة الدولة والمجتمع معاً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1276