حين يتحول المصرف المركزي إلى منصة ترويج
في التصريحات الأخيرة لحاكم مصرف سورية المركزي، عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك» بتاريخ 28 نيسان، بدا لافتاً مستوى الحفاوة المرافقة للحديث عن صفقات الاستحواذ الجارية في القطاع المصرفي الخاص، حيث جرى توصيف دخول مستثمرين جدد بأنه «يعكس رؤية مستقبلية لسوق واعد»، وبأنه ثمرة «رؤية واضحة» و«التزام بتعزيز دور القطاع المصرفي»، مع الإشارة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد المزيد من «خطوات إصلاح القطاع المالي» و«صفقات إضافية تعزز هذا المسار». هذا الخطاب، رغم ما يحمله من تفاؤل معلن، يطرح سؤالاً جوهرياً حول موقع المصرف المركزي: هل ما زال يمارس دوره التقليدي كسلطة نقدية رقابية، أم إنه بات يقترب تدريجياً من موقع المروّج لمسار استثماري يُقدّم بوصفه إصلاحاً بحد ذاته؟
في الأصل، لا يُفترض بالبنوك المركزية أن تتعامل مع الصفقات المالية بمنطق الاحتفاء أو الانطباع، بل بمنطق التقييم البارد القائم على المخاطر والاستقرار. فوظيفة المصرف المركزي ليست أن «يسعد» بدخول مستثمر أو أن «يرحب» بنسبة استحواذ، بل أن يجيب عن أسئلة أكثر صرامة:
هل يعزز هذا التغير في الملكية متانة النظام المصرفي؟
هل يرفع كفاءة توزيع الائتمان في الاقتصاد الحقيقي؟
هل يتماشى مع السياسة النقدية وأهدافها في ضبط التضخم واستقرار العملة؟
أم إنه يضيف طبقة جديدة من التعقيد والمخاطر إلى نظام مالي هش أصلاً؟
لكن اللغة المستخدمة في التصريحات الأخيرة توحي بانزياح تدريجي عن هذا الإطار.
فحين تُقدم الصفقات بوصفها «إنجازاً» و«رؤية إصلاحية» و«مؤشر ثقة»، فإننا ننتقل من لغة التنظيم والرقابة إلى لغة التسويق الاقتصادي. وهنا تحديداً تظهر الإشكالية، إذ يصبح نجاح الإصلاح مرهوناً بعدد الصفقات وحجم الاستحواذات، لا بجودة النظام المصرفي نفسه أو قدرته على تمويل الاقتصاد بشكل فعال ومستدام.
الأخطر في هذا التحول الخطابي أنه يختزل فكرة الإصلاح المالي في حركة الملكية داخل القطاع المصرفي، وكأن دخول مستثمرين- مهما كانت خلفياتهم أو دوافعهم- هو بحد ذاته دليل تعافٍ اقتصادي. بينما الواقع أن الاستحواذ قد يكون مدفوعاً أحياناً باعتبارات الفرصة منخفضة التكلفة، أو الرهانات المستقبلية، أو حتى البحث عن موطئ قدم في سوق مغلق، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود ثقة مكتملة في البيئة الاقتصادية أو استقرارها.
في هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن تنشأ خشية مشروعة من امتداد هذا المنطق إلى المصارف العامة، وعلى رأسها المصرف التجاري السوري في ظل إشاعة مروجة مؤخراً تشي بذلك، خصوصاً مع تصاعد الحديث الرسمي عن «التشاركية» و«جذب الاستثمار» كعناوين عريضة للإصلاح. فحين يُربط الإصلاح المالي تلقائياً بإعادة هيكلة الملكية ودخول مستثمرين، دون تفكيك واضح للفارق بين القطاع الخاص والعام، يصبح الباب مفتوحاً أمام تأويلات واسعة قد تمتد من الشراكات التشغيلية إلى خصخصة جزئية أو تدريجية، حتى لو لم يُعلن ذلك رسمياً.
المعضلة هنا ليست في فكرة الإصلاح نفسها، ولا في انفتاح القطاع المصرفي على الاستثمار، بل في انزلاق الخطاب من مستوى السياسة النقدية إلى مستوى الترويج.
فالمصرف المركزي، بحكم وظيفته، يفترض أن يكون الجهة التي تضبط إيقاع النظام المالي وتراقب توازنه، لا أن يتحول إلى طرف يُسهم في تسويق صفقات أو تقديمها باعتبارها مؤشرات نجاح نهائي. فالتجربة المصرفية عالمياً تُظهر أن الاستقرار لا يُقاس بعدد الاستحواذات أو تبدل الملاك، بل بقدرة النظام على الصمود أمام الصدمات، وبكفاءة توجيه الموارد نحو الاقتصاد المنتج.
وحين يُصبح الخطاب الرسمي مشغولاً بتوصيف «السعادة» و«الترحيب» و«التفاؤل» بالصفقات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس حول دقة التقييم فقط، بل حول طبيعة الدور المؤسسي نفسه:
هل ما زال المصرف المركزي يمارس وظيفته كحارس للسياسة النقدية، أم إنه بات جزءاً من سردية تسويقية تُعيد تعريف الإصلاح بوصفه تدفقاً لرأس المال، بغض النظر عن نوعيته أو أثره البنيوي؟
ختاماً يمكن القول اختصاراً: إن الإصلاح المالي الحقيقي لا يُقاس بزخم الأخبار عن الاستحواذات، بل بمدى قدرة القطاع المصرفي على أداء وظيفته الأساسية (تمويل الاقتصاد بكفاءة- حماية المدخرات- وضمان استقرار نقدي لا يتأثر بالخطاب السياسي أو موجات التفاؤل الإعلامي). وما بين التنظيم والترويج، يبقى الفارق جوهرياً، لأن أحدهما يبني الثقة على أسس مؤسسية، بينما الآخر يكتفي بإنتاج الانطباع عنها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1276