ليست استثماراً... بل تسليم مورد سيادي على طبق من ذهب

ليست استثماراً... بل تسليم مورد سيادي على طبق من ذهب

ما يجري اليوم في معمل مياه الدريكيش لا يمكن توصيفه بلغة مخففة من نوع «فرصة استثمارية» أو «تطوير تشغيلي». الحقيقة أبسط وأكثر قسوة، نحن أمام نموذج واضح لخصخصة مقنعة، تُقدّم بعبارات ناعمة، لكنها في جوهرها نقل طويل الأمد لعائد مورد سيادي إلى القطاع الخاص.

فعندما تُمنح منشأة عامة قائمة، تعمل وتنتج، حق الاستثمار لمدة 25 عاماً كاملة، فهذا ليس عقد تشغيل عابر، بل هو عملياً تفويض اقتصادي طويل ينقل السيطرة الفعلية على الإيرادات إلى المستثمر، حتى لو بقيت الملكية الشكلية على الورق بيد الدولة.
المشكلة ليست في مدة العقد فقط، بل في طبيعة الأصل نفسه. فمعمل الدريكيش ليس مصنعاً متوقفاً أو عبئاً خاسراً يحتاج إلى إنقاذ. على العكس تماماً، هو منشأة قائمة على مورد طبيعي دائم– نبع مياه معدنية– ومنتجها مطلوب ومسوّق سلفاً في السوق المحلية، بل وله تاريخ في التصدير.

بمعنى أوضح نحن لا نتحدث عن مشروع عالي المخاطر، بل عن نشاط اقتصادي مضمون الطلب وقابل للتسويق بسهولة.
الأخطر أن هذا النوع من الصناعات لا يتطلب تعقيداً تكنولوجياً استثنائياً. حتى خبراء اقتصاديون أشاروا صراحة إلى أن تعبئة المياه ليست صناعة معقدة، وأن إدارتها ومراقبة إنتاجها مسألة مباشرة ويمكن ضبطها بسهولة عبر مقارنة المدخلات بالمخرجات.
فإذا كانت التكنولوجيا بسيطة، والسوق جاهزة، والمنتج مطلوب، فما المبرر الحقيقي لتسليم العائد؟
ثم لننظر إلى البنية التحتية، فالمعمل قائم فعلياً، ويمتد على مساحة ضخمة، ويضم خطوط إنتاج جاهزة، أحدها حديث نسبياً، ويعمل بطاقات إنتاجية يومية محددة.
أي إن المستثمر لا يبدأ من الصفر، بل يستلم مشروعاً شبه جاهز، يحتاج إلى تحسينات لا أكثر. وهنا يكمن جوهر المشكلة، فالمخاطرة منخفضة جداً، بينما العائد شبه مضمون.
وفي الاقتصاد، هناك مثل معروف: «شريك المياه لا يخسر».

فكيف إذا لم يكن شريكاً فقط، بل مستثمراً مباشراً يسيطر على الإنتاج والتسويق إلى عقود؟
فنحن هنا لا نتحدث عن فرصة استثمار، بل عن صفقة ذات مخاطر محدودة جداً وأرباح محتملة كبيرة، تُمنح لطرف خاص مقابل مورد طبيعي هو في الأصل ملك عام.
المدافعون عن الطرح يقولون إن الدولة بحاجة إلى التمويل والتحديث. لكن هذا الطرح يفرض سؤالاً بديهياً: إذا كان المعمل رابحاً أو قادراً على تحقيق إيرادات مستقرة، فلماذا لا تُستخدم هذه الإيرادات نفسها في تطويره؟ ولماذا يتم استبدال دخل سنوي مستمر بعائد محدود أو غير مضمون من عقد استثمار؟
الأمر لا يتعلق بالأرقام فقط، بل بالمنطق الاقتصادي. فمنح استثمار لمدة 25 عاماً يعني ببساطة أن أي تحديث سيقوم به المستثمر سيتم استهلاكه خلال مدة العقد، بينما تكون الدولة قد خسرت ربع قرن من الإيرادات المباشرة. أي إننا لا نبيع الأصل، بل نبيع الزمن... والزمن في الاقتصاد هو الربح الحقيقي.
الأكثر خطورة هو البعد السيادي. فالمياه ليست سلعة عادية، بل مورد استراتيجي. والتنازل عن تشغيل منشأة مرتبطة بمصدر مائي طبيعي، لفترة طويلة، يعني عملياً التخلي عن جزء من قطاع يفترض أنه سيادي، أو على الأقل عالي الحساسية.
وما يزيد من القلق هو أن هذا القرار يأتي في سياق اقتصادي تعاني فيه الدولة من شح الموارد، ما يجعل أي أصل رابح أكثر أهمية، لا أقل. ومع ذلك، يتم التعامل مع معمل قائم وكأنه عبء يجب التخلص منه، لا أصل يجب تعظيم عوائده.

باختصار وصراحة، ما يجري ليس «استثماراً» بالمعنى الحقيقي، لأن الاستثمار يفترض وجود مخاطرة، وضخ رأس مال مقابل احتمال الربح أو الخسارة. أما هنا، فالمعادلة مختلة: مورد طبيعي جاهز- سوق مضمونة- بنية تحتية قائمة- مخاطر محدودة- وعقد طويل يضمن الاستفادة. وهذه ليست بيئة استثمار، بل بيئة نقل أرباح.
المطلوب ليس رفض أي دور للقطاع الخاص، بل رفض هذا الشكل من التعاقد الذي يفرغ الملكية العامة من مضمونها الاقتصادي. وربما كان بالإمكان، بحال الإضرار وتكريس الاعتراف بالعجز الحكومي عن إدارة واستثمار الأصول العامة، اللجوء إلى نماذج أقل خطورة (عقود إدارة قصيرة- شراكات محددة- تحديث بتمويل داخلي أو حتى اكتتاب عام). لكن اختيار أطول وأوسع صيغة ممكنة ليس تفصيلاً... بل قرار له دلالة واضحة.

فما يحدث في معمل الدريكيش ليس مجرد قرار اقتصادي تقني، بل مؤشر على نهج كامل في التعامل مع الأصول العامة. نهج يرى في «الاستثمار» بديلاً عن الإدارة، وفي «التفويض الطويل» حلاً للعجز، وفي «المورد السيادي» فرصة للتسييل بدل أن يكون ركيزة للإيرادات. وعندما نصل إلى هذه النقطة، يصبح السؤال مشروعاً:
هل نحن فعلاً نطور أصولنا... أم نتخلى عنها بهدوء؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1276