ارتفاع أجور النقل... رحلة العذاب من المضخات إلى لقمة العيش
سارة جمال سارة جمال

ارتفاع أجور النقل... رحلة العذاب من المضخات إلى لقمة العيش

لم تأت تصريحات خالد كسحة مدير مديرية تنظيم نقل البضائع، لوكالة «سانا» في 21 نيسان، بجديد، بقدر ما وضعت أرقاماً «متضخمة» على جرح مفتوح.

فحين كشف عن ارتفاع تكاليف النقل مع بداية شهر نيسان بنسبة 40 إلى 50%، وأن هذا الرقم هو انعكاس مباشر لارتفاع أسعار المحروقات، فإنه كان يصف بالضبط كيف تتحول كل ليرة ترتفع في كلفة النقل إلى عبء إضافي على الفقراء.
فمع كل هزة في السوق الموازية تنتقل ارتداداتها إلى مضخة الوقود في غضون ساعات، ثم إلى أجرة الناقل في مطلع اليوم التالي، ثم إلى سعر كيلو البندورة في اليوم نفسه.


غياب الاستقرار


يبدو أن الدولة عاجزة عن خلق هامش استقرار– ولو جزئي– لامتصاص التقلبات، ما يدفع بشركات النقل إلى إضافة علاوة مخاطرة على الأجور تحسباً لارتفاع مرتقب في أسعار المحروقات. ما يخلق دورة تضخمية إضافية، ويرفع أجور النقل بشكل أسرع من نسبة الارتفاع الفعلية في المحروقات.
كما أن الناقل لا يدفع ثمن المحروقات فقط. حيث يذكر «كسحة» صراحة ارتفاع أسعار الصيانة، والإطارات، والزيوت، وكلها مستوردة ومسعّرة بالدولار وتخضع للقفزات نفسها؛ أي إن مؤشر تكلفة تشغيل الشاحنة يرتفع بنسبة تفوق نسبة زيادة المحروقات وحدها.
بالإضافة إلى تهالك الطرق، الذي يرفع استهلاك المحروقات بنسب تتراوح بين 15 إلى 25%.


ضربة للفقراء


ذكر «كسحة» أرقاماً متعلقة بمساهمة النقل في السعر النهائي؛ السلع الزراعية منخفضة القيمة (خضار وفواكه) ترتفع بنسبة 5 إلى 15%، أما السلع مرتفعة القيمة أو المستوردة، ترتفع 2 إلى 8%.
هذا يعني أن الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل هي من يتلقى الضربة الأكبر، لأن سلة غذائها تتركز في الخضار والفواكه المحلية التي يرتفع سعرها فجأة. في المقابل، ترتفع السلع الكمالية أو المستوردة التي يقتنيها قلة من الميسورين بنسبة أقل، ما يوسع فجوة التفاوت الاجتماعي.
وفي المحصلة، يتحول النقل من خدمة مساندة للإنتاج إلى عنق زجاجة يخنق المنتج المحلي ويجعله غير قادر على المنافسة.


منطق التاجر


عندما تستورد الدولة المحروقات بالدولار، ثم تعيد تسعيرها أسبوعياً وفق سعر صرف هجين، بدون اعتماد سعر ثابت ولو لفترة محددة، فإنها تتحول فعلياً إلى «تاجر» وتُفرغ مفهوم «الخدمة العامة» من مضمونه.
فحلول كتثبيت سعر صرف احتساب كلفة المحروقات لثلاثة أشهر، أو تخصيص دعم مباشر للمحروقات المخصصة لنقل السلع الأساسية، هي قرارات لا يبدو أن أحداً في موقع القرار ينوي اتخاذها. ربما لأن «منطق التاجر» الذي تبنته السلطة يحقق مكاسب آنية لخزينة منهكة، ولو كان الثمن هو دفن الفقراء تحت ركام أسعار لا تتوقف عن الصعود!


ما يجب أن يُقال


لم يعد السوريون يحتملون المزيد؛ فعندما تصبح المحروقات أداة لتعميق الفقر بدل أن تكون وسيلة للنمو، وعندما تصبح أجرة النقل عائقاً بين المواطن ولقمة عيشه، فنحن لسنا أمام أزمة اقتصادية عابرة فقط، بل أمام دولة تخلت عن فقرائها.
فكل نشرة محروقات جديدة تعني ارتفاعاً في الأسعار؛ وكل رقم هو مسمار إضافي في نعش القدرة الشرائية، وكل زيادة في أجور النقل تنتقل إلى لقمة العيش خلال ساعات، وكل غياب لهامش الاستقرار هو تكريس لغياب دور الدولة نفسه.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1276