سورية... حين يصبح القتل خبراً عادياً والخطف تفصيلاً يومياً

سورية... حين يصبح القتل خبراً عادياً والخطف تفصيلاً يومياً

لم يعد السؤال في سورية اليوم: هل وقعت جريمة؟ بل كم جريمة حدثت هذا الأسبوع، وكم ضحية سقطت دون أن يُحاسب أحد؟ فالأرقام لم تعد صادمة بقدر ما أصبحت روتينية، عشرات الجرائم الجنائية تُسجل شهرياً في مختلف المناطق، من دمشق وريفها إلى حلب ودير الزور ودرعا، وكأن البلاد دخلت مرحلة جديدة لا عنوان لها سوى الانفلات، حيث يتراجع صوت القانون أمام سطوة السلاح، ويختفي الفاعل أحياناً خلف مفردة باردة «مجهول».

في الأسابيع الأخيرة وحدها، تكررت مشاهد لا يمكن وصفها إلا بأنها انعكاس لانهيار عميق في البنية الأمنية والاجتماعية. طالبة جامعية تختفي في ريف دمشق، ليُعثر عليها بعد أيام جثة هامدة، في حادثة أثارت خوفاً واسعاً لكنها لم تُجب عن السؤال الأهم: من القاتل؟ وفي قلب العاصمة، يُختطف تاجر من أمام منزله في عملية منظمة، وفي مشهد أقرب إلى أفلام العصابات منه إلى واقع يفترض أن تحكمه دولة. وفي حلب، تُقتل عائلة كاملة داخل منزلها دون وضوح الدوافع، بينما تتكرر حوادث الذبح والطعن وإطلاق النار في أكثر من منطقة، لتؤكد أن العنف لم يعد استثناءً بل أصبح لغة يومية.
الأخطر من هذه الجرائم نفسها هو نمطها المتكرر؛ خطف ينتهي بالقتل- جثث يُعثر عليها بعد أيام- جرائم تُسجل ضد مجهول- وقصص تختفي قبل أن تكتمل. هذا التكرار لا يدل على تصاعد الجريمة فقط، بل على غياب الردع. فحين يدرك الجاني أنه لن يُحاسب، تتحول الجريمة من مخاطرة إلى خيار. وحين يشعر الضحية أنه بلا حماية، يتحول الخوف إلى نمط حياة.
الأسباب قد تبدو عديدة ومتشابكة، لكن أهمها وغير الخفي هو السلاح المنتشر بشكل غير مسبوق، ليس في يد جهة واحدة بل في أيدي أطراف متعددة وأفراد، ما يجعل أي خلاف بسيط قابلاً للتحول إلى جريمة قتل خلال لحظات. والأجهزة الرسمية، التي يُفترض أن تكون صمام الأمان، تبدو عاجزة أو غائبة أو انتقائية في تدخلها، بينما تتآكل الثقة بها يوماً بعد يوم. ومع هذا الضعف، يظهر عامل آخر أكثر خطورة؛ الإفلات شبه الكامل من العقاب. فلا تحقيقات شفافة، ولا محاكمات واضحة، ولا نتائج تُعيد شيئاً من الإحساس بالعدالة. أخبار متكررة عن ضحايا جدد فقط.
لا يمكن فصل هذا الواقع عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الخانقة. فالفقر، والبطالة، وانهيار سبل العيش تدفع البعض نحو الجريمة، سواء بدافع السرقة أو الفدية أو حتى الانتقام. لكن هذه العوامل، على خطورتها، لا تبرر ما يحدث بقدر ما تكشف هشاشة البيئة التي سمحت له بالانتشار. فالجريمة لا تزدهر بسبب الفقر فقط، بل بسبب غياب الدولة الفاعلة. والنتيجة لا تقاس بعدد الضحايا فقط، بل بما يحدث داخل المجتمع نفسه. فالخوف يتسلل إلى البيوت، والثقة بين الناس تتآكل، والشك يصبح القاعدة. فالعائلات تعيش قلقاً دائماً على أبنائها، والنساء بشكل خاص أصبحن في دائرة خطر متزايدة مع تكرار حوادث الخطف والقتل. ومع كل جريمة لا تُحل، يتكرس شعور عام بأن العدالة غائبة، وأن الحياة فقدت قيمتها.

المشكلة لم تعد في حادثة هنا أو هناك، بل في واقع يتشكل بصمت، بلد تُرتكب فيه الجرائم بوتيرة ثابتة، ويُدفن ضحاياها بسرعة، وتُنسى قصصهم قبل أن تُعرف حقيقتها.
هذا ليس مجرد انفلات أمني عابر، بل حالة مستمرة من التسيب، حيث يتراجع القانون أمام القوة، وتُستبدل العدالة بالخوف.

وفي ظل هذا المشهد، يبدو أخطر ما يمكن أن يحدث هو الاعتياد. أن يصبح القتل خبراً عادياً، والخطف حادثة متوقعة، وأن يتعايش الناس مع فكرة أن الجريمة جزء من يومهم. حينها لا تكون المشكلة في عدد الجرائم فحسب، بل في انهيار الإحساس الجماعي بأن هذا الوضع غير مقبول أصلاً. وهذا، بحد ذاته، أخطر من أي رقم.

في مواجهة هذا الواقع، لا يمكن الاكتفاء بوصف الانفلات أو تسجيل أرقامه، لأن المسؤولية الأولى والأخيرة تبقى على عاتق الدولة وأجهزتها الرسمية. فالدور المفترض ليس شكلياً ولا إعلامياً، بل يبدأ بإعادة فرض سيادة القانون بشكل فعلي، وضبط السلاح المنفلت والمنتشر خارج إطار الدولة، وتفعيل أجهزة الأمن على أساس حماية الناس لا إدارة الخوف بينهم.
المطلوب منظومة واضحة للمحاسبة، وتحقيقات شفافة، وقضاء قادر على ملاحقة الجناة دون تمييز أو تسويف، لأن أي تساهل إضافي يعني ببساطة إنتاج مزيد من الجرائم.
الدولة التي تترك الجرائم تتكرر دون ردع تفقد تدريجياً وظيفتها الأساسية، وتفتح المجال لبدائل خطِرة من الفوضى والعدالة الذاتية. وإعادة الثقة لا تتحقق بالوعود، بل بإجراءات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية (أمان في الطريق- حماية في المنزل- وعدالة حين يقع الاعتداء). ومن دون ذلك، ستبقى كل جريمة جديدة ليست حادثة منفصلة، بل دليل إضافي على غياب الدور الذي يفترض أن يكون بديهياً؛ حماية المجتمع وصون حياته.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1276