قاسيون... «اقتصاد الصورة» الذي يحوّل الحق بالمدينة إلى قدرة شرائية

قاسيون... «اقتصاد الصورة» الذي يحوّل الحق بالمدينة إلى قدرة شرائية

يُقدّم مشروع قاسيون، مع خط «التلفريك» المنطلق من حديقة الأمويين «تشرين»، بوصفه خطوة نحو «إعادة إحياء» دمشق واستعادة بريقها السياحي. لكن هذه اللغة المألوفة، المليئة بمفردات الإحياء والتطوير، تخفي تحولاً أعمق وأكثر إشكالية، ليس في شكل المكان فقط، بل في معناه ووظيفته وعلاقته بسكانه. فما يجري ليس تجميلاً لفضاء عام بقدر ما هو إعادة تعريف له، ونقله من كونه مشاعاً مدينياً إلى كونه منتجاً قابلاً للبيع، ومن كونه جزءاً من الحياة اليومية إلى كونه تجربة مشروطة بالقدرة على الدفع.

في قلب هذا التحول يقف عنصر الاستعراض. المشروع لا يَعِد الناس بمساحات للعيش بقدر ما يَعِدهم بمشاهد تُلتقط وتُستهلك بصرياً، «تلفريك» يعلو المدينة- منصات بانورامية- مطاعم معلّقة فوق الفراغ، وكلها عناصر تنتمي إلى «اقتصاد الصورة» أكثر مما تنتمي إلى «اقتصاد الحاجة». هنا يصبح قاسيون خلفية مثالية لعرض مستمر، وتتحول دمشق نفسها إلى مشهد يُعاد ترتيبه ليكون قابلاً للتسويق. ليست المشكلة في الجمال أو في الطموح، بل في أن هذا الجمال يُصاغ كسلعة، وأن الطموح يُختزل في إنتاج واجهة لامعة تُخفي ما وراءها من اختلالات. فالاستعراض، في هذه الحالة، لا يكمّل التنمية بل يحل محلها، ويعيد ترتيب الأولويات بحيث يصبح المهم هو ما يُرى، لا ما يُعاش.

ومع هذا الاستعراض، يتقدّم منطق آخر أكثر هدوءاً وخطورة، احتكار الفضاء الحيوي. فالربط بين الجبل والحديقة عبر مسار استثماري واحد لا يعني تحسين الوصول فقط، بل يعني إخضاع هذا المسار بكامله لمنطق الربح. حتى لو بقيت الأرض «عامة» في الأوراق، فإن استخدامها الفعلي سيُعاد تنظيمه عبر بوابات غير مرئية من التسعير والخدمات المدفوعة. فلن يُمنع أحد من الدخول نظرياً، لكن التجربة الكاملة- تلك التي يُروّج لها- ستصبح حكراً على من يستطيع الدفع. هكذا لا يُلغى الفضاء العام، بل يُعاد تعريفه بحيث يصبح استهلاكه هو الشكل الوحيد المقبول لاستخدامه. إنها خصخصة بلا إعلان، تُمارس عبر الإدارة لا عبر الملكية، وتحول الحق بالمدينة إلى قدرة شرائية.
في مدينة تعاني أصلاً من اختلالات اقتصادية حادة، لا يبقى هذا التحول محايداً. فحين تُعاد صياغة أحد أهم فضاءاتها المفتوحة كوجهة استهلاكية، فإن النتيجة لا تكون مجرد تغيير في نمط الترفيه، بل تكريساً لفرز طبقي يتسلل إلى الجغرافيا نفسها.
فمن يملك القدرة على الدفع سيحظى بالوصول إلى «التجربة» بكل تفاصيلها، ومن لا يملك سيبقى على الهامش، متفرجاً على مدينة تُعاد صياغتها من دونه.
هنا لا يعود الحديث عن اختلاف طبيعي في مستويات الاستهلاك، بل عن إعادة رسم غير معلنة لحدود اجتماعية داخل المكان، مساحات لمن يستطيع، وأخرى لمن لا يستطيع. ومع ندرة البدائل العامة في دمشق، يصبح هذا الإقصاء أكثر حدّة، لأن ما يُفقد ليس خياراً إضافياً بل جزء من المتاح أصلاً.

ما يتبدل أيضاً هو المعنى نفسه للمدينة. فحديقة تشرين لم تكن مجرد مساحة خضراء، بل كانت جزءاً من إيقاع يومي بسيط، مكاناً يمكن دخوله بلا حسابات معقدة. وقاسيون، رغم كل ما لحق به، ظل يحمل قيمة رمزية كملاذ بصري ومتنفس مفتوح.
أما في النموذج الجديد، فستُستبدل هذه القيم بمنطق آخر، قيمة المكان تقاس بقدرته على توليد الربح، لا بقدرته على احتضان الحياة. فيتحول «المكان للعيش» إلى «مكان للإنفاق»، وتُعاد صياغة العلاقة بين الناس ومدينتهم على أساس استهلاكي بحت.
هذا التحول قد يبدو طبيعياً في مدن تمتلك شبكات واسعة من الفضاءات العامة البديلة، لكنه في دمشق يأخذ طابعاً أكثر قسوة، لأنه يحدث على حساب ما هو محدود أصلاً.
المفارقة أن المشروع، وهو يسعى إلى تقديم صورة حديثة وجذابة، قد ينتهي إلى تعميق التناقض الذي يحاول إخفاءه. فكلما ازداد الطابع الاستعراضي، ازداد الانفصال بين الواجهة والواقع، وكلما توسع الاستثمار في الصورة، تقلص الاستثمار في البنية الاجتماعية التي تعطي هذه الصورة معناها.

فبدلاً من أن يكون قاسيون جسراً يربط سكان المدينة بفضائهم، سيتحول إلى منصة تُذكرهم بالفجوة بينهم وبين ما يُعرض عليهم. عندها لن يعود المشروع مجرد تطوير عمراني، بل يصبح تعبيراً مكثفاً عن مسار أوسع تُدفع فيه المدينة نحو منطق ربحي يُعيد توزيع الوصول والفرص وفق القدرة، لا وفق الحق.
بهذا المعنى، لا تكمن خطورة المشروع في تفاصيله الهندسية أو في فكرة «التلفريك» بحد ذاتها، بل في الرؤية التي تحكمه. رؤية ترى في الفضاء الحيوي مورداً قابلاً للاستثمار قبل أن تراه حقاً مشتركاً، وتتعامل مع المدينة كواجهة قابلة للتسويق قبل أن تتعامل معها كحيز وفضاء للعيش. وإذا لم تُقابل هذه الرؤية بضوابط تضمن بقاء هذه المساحات مفتوحة فعلياً للجميع، فإن ما يُقدّم اليوم كإنجاز تنموي قد يُسجّل لاحقاً كخطوة أخرى في مسار طويل من تسليع المدينة وتكريس انقسامها الطبقي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275