شحّ وسائل النقل في دير الزور... أزمة مركبة في مدينة مدمرة
تمثل عودة السكان إلى أحياء دير الزور المتضررة مشهداً معقداً، حيث تتحول فرحة العودة إلى منازلهم إلى معاناة يومية في ظل غياب الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
لكن المعاناة الأكبر تبدأ عند عتبة الباب. فالمواصلات شبه منعدمة. لا باصات، ولا سرافيس. فغياب وسائل النقل العامة بشكل شبه كامل دفع الأهالي إلى خيارين؛ إما قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام في ظروف مناخية سيئة، أو اللجوء إلى سيارات الأجرة التي تفوق كلفتها قدرة الغالبية العظمى من السكان.
أما من تمكن من تأمين مصدر رزق، فيواجه أزمة أخرى؛ حيث اضطر العديد منهم إلى استئجار منازل قريبة من أماكن عملهم، بعد أن أدركوا أن التنقل يومياً من منازلهم التي رمموها إلى مواقع العمل أمر شبه مستحيل.
وإذا كانت الأوضاع داخل المدينة صعبة، فإنها تتحول إلى مأساة حقيقية لسكان الريف الراغبين في التنقل إلى المدينة والعكس؛ مع انعدام أي وسيلة نقل رخيصة، يجد الأهالي أنفسهم تحت رحمة سائقي الباصات والسرافيس الذين يتقاضون أجوراً خيالية، مستغلين حاجتهم الماسة للتنقل، ومبررين الزيادات المتتالية «بغلاء المحروقات»، مع غياب دور الجهات المعنية في تنظيم وضبط التسعيرة.
فبحسب شهادات متطابقة من السكان، يتقاضى بعض السائقين نحو 50 ألف ليرة للرحلة الواحدة، ما يعني أن تكلفة الذهاب والإياب تصل إلى 100 ألف ليرة يومياً.
ولترجمة هذا الرقم على أرض الواقع بشكل أكثر وضوحاً، يكفي القول إن هذا المبلغ يعادل أو يتجاوز معدل الدخل اليومي للعامل العادي في المنطقة، ما يجعل فكرة التنقل مجرد رفاهية لا يستطيع تحملها سوى فئة قليلة جداً.
ولا يمكن فصل أزمة النقل عن الدمار الهائل؛ تشير المعطيات إلى أن حجم الدمار غير مسبوق، إذ تتجاوز نسبة التخريب في البنية التحتية 85%، ويتركز الضرر الأكبر داخل المدينة نفسها.
وهذا الدمار يعني أن وسائل النقل الخاصة والعامة تضطر إلى سلوك طرق أطول وأكثر وعورة. وهكذا تدور الحلقة المفرغة؛ الطرق المدمرة تزيد التكاليف، والتكاليف المرتفعة تحدّ من حركة الناس، ما يقتل أي فرصة لإنعاش الاقتصاد المحلي في الأحياء المتضررة.
إن ما يحتاجه سكان دير الزور، وبشكل عاجل، هو توفير باصات نقل عام تربط بين الأحياء ومراكز العمل والخدمات، وتأهيل الطرق الرئيسية لضمان سلامة الحركة، وتوفير إنارة عامة للشوارع.
فترميم سقف المنزل لا يكفي إن غاب الحد الأدنى من الخدمات التي تمكّن المواطن من العيش بكرامة. وغياب وسائل النقل العامة يشكل حجر الزاوية في هذه المأساة، إذ يحول دون الوصول إلى العمل والتعليم والرعاية الصحية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1275
نور الإبراهيم