جزعة... ناحية «مستحدثة» على الورق ومنسية على الأرض

جزعة... ناحية «مستحدثة» على الورق ومنسية على الأرض

رغم مرور ما يقارب عقدين على استحداث ناحية جزعة (اليرموك رسمياً) عام 2008 بقرار من وزارة الإدارة المحلية، لا تزال هذه البقعة الواقعة في ريف القامشلي بمحافظة الحسكة تعيش خارج حسابات التنمية والخدمات، وكأنها لم تُدرج يوماً ضمن أولويات الحكومات المتعاقبة. فالناحية، التي تمتد بمحاذاة الحدود السورية-العراقية شمال جبل سنجار، تبدو اليوم مثالاً صارخاً على التهميش المزمن الذي تعانيه مناطق واسعة من الجزيرة السورية.

يقطن في ناحية جزعة أكثر من 30 ألف نسمة موزعين على 76 قرية، إلا أن هذا الثقل السكاني لم يترجم إلى حضور خدمي أو إداري فعلي. فالطرقات لا تزال غير معبدة، وتتحول مع كل هطول مطري إلى مستنقعات من الوحل تعزل القرى عن بعضها، فيما تتكرر مشاهد السيول والفيضانات التي تزيد من عزلة السكان وتفاقم معاناتهم اليومية. أما مياه الشرب، فلا تصل عبر شبكات نظامية، بل تُنقل بوسائل بدائية، تصل حد استخدام الدواب، في مشهد يعكس حجم التراجع الخدمي في منطقة يفترض أنها جزء من دولة في القرن الحادي والعشرين.

ولم تكن الحرب التي شهدتها البلاد سوى عامل إضافي عمّق من جراح الناحية، حيث تعرضت بلدة جزعة ومحيطها لدمار واسع طال المرافق العامة والمنازل السكنية. وبين غياب شبه كامل للدعم الحكومي، اضطر الأهالي إلى إعادة إعمار بيوتهم بجهود ذاتية، في محاولة للبقاء والاستمرار في أرضهم رغم كل الظروف.
لكن اللافت، بحسب شكاوى الأهالي، لا يقتصر على ضعف الخدمات، بل يتعداه إلى قرارات إدارية زادت من تهميش الناحية. فقد جرى نقل معظم المرافق الخدمية إلى ناحية تل كوجر (اليعربية)، ما حرم جزعة من دورها الإداري الطبيعي. كما أُلحق المجمع التربوي بناحية تل حميس، التي تبعد نحو 45 كيلومتراً، رغم وجود نحو 400 معلم يعملون في قرابة 60 مدرسة داخل الناحية نفسها. هذا القرار، الذي قوبل برفض واسع من الأهالي والكادر التعليمي، فُهم على أنه خطوة إضافية في مسار تفريغ الناحية من مؤسساتها، بدلاً من تعزيزها.

وفي ظل هذا الواقع، يرفع أهالي جزعة سلسلة من المطالب التي يرونها بديهية وأساسية، في مقدمتها إعادة تفعيل المجمع التربوي ضمن الناحية، وإعادة افتتاح المؤسسات الخدمية والإدارية، مثل السجل المدني، والبلدية، والمصرف الزراعي، والوحدة الإرشادية الزراعية، إضافة إلى تفعيل المستوصف القائم. كما يطالبون بإنشاء مشفى إسعافي، في ظل البعد الجغرافي عن مراكز المدن، والذي تسبب، بحسب شهاداتهم، في وقوع حالات وفاة نتيجة التأخر في الوصول إلى الخدمات الطبية.
ناحية جزعة، التي تُعرف محلياً ضمن ما يسمى «قرى جنوب وادي الرد»، ليست حالة استثنائية، بل تمثل نموذجاً مكثفاً لسياسات الإهمال التي طالت الريف السوري إلى عقود، واستمرت بأشكال مختلفة خلال سنوات الأزمة. وبين وعود متكررة بالتنمية وتحسين الواقع الخدمي، تبقى الوقائع على الأرض تشير إلى فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي واحتياجات السكان.
اليوم، ومع تجدد مطالب الأهالي، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: إلى متى ستبقى ناحية جزعة خارج الاهتمام؟ وهل تتحرك الجهات المعنية لإعادة الاعتبار لناحية تضم عشرات القرى وآلاف السكان، أم إن التهميش سيبقى العنوان الأبرز لواقعها؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275