ملف انهيار الأبنية في سورية بانتظار حلول مستدامة!
رهف ونوس رهف ونوس

ملف انهيار الأبنية في سورية بانتظار حلول مستدامة!

لم يعد الخوف في سورية مقصوراً على ذكريات الحرب، بل أصبح يسكن تحت أسقف البيوت، ويتسلل عبر شقوق الجدران المتعبة، ففي الوقت الذي تغنى فيه الرسميون بعودة النازحين، كانت الديار تتحول بصمت إلى مصائد موت، فلم يعد السؤال «متى سينهار هذا المبنى؟» بل «كم من الأرواح سيدفن هذه المرة؟».

إن ما يحدث ليس قدراً وحسب، بل نتيجة حتمية لغياب الدور الرقابي المفترض، لتكتب بمداد من دماء المفقرين شهادة وفاة جماعية جديدة.
المشاهد في حلب مثلاً لا تحتمل التأويل أو التبرير، ففي 6 آذار، انهار مبنى سكني مؤلف من خمسة طوابق في حي الأشرفية، لتكون الحصيلة عشرات الضحايا التي كانت تبحث عن الأمان في جدران بيوتها، فهذا حصاد لسنوات من الاستهتار والإهمال الرسمي.
هذا المشهد تكرر في حي الشيخ مقصود، وليس في الأبنية القديمة المتضررة كلياً أو جزئياً فقط بفعل الحرب وزلزال عام 2023، بل في أبنية حديثة الإنشاء أيضاً كما حصل في مطلع الشهر الحالي، حيث انهار مبنى سكني قيد الإنشاء مؤلف من أربعة طوابق، قد يكون لأخطاء هندسية أو ضعف في مواد البناء تواطؤاً ونهجاً للربح السريع، دونما توضيح رسمي حتى الآن، ناهيك عن احتمالات الانهيار لتسرب المياه إلى الأساسات أمام شبكات متهالكة لمياه الشرب والصرف الصحي، وما زاد الوضع سوءاً، الموسم المطري الجيد لهذا العام «على أهميته» الذي أثر سلباً على الأبنية المتضررة وزاد احتمالات السقوط، إنها ليست حوادث معزولة ويبدو أنها لن تكون الأخيرة طالما استمرت آليات العمل الرسمي على السياق نفسه من اللا مبالاة مع طغيان أوجه الفساد، فهي سلسلة من الكوارث التي كان يمكن تفاديها بالرقابة المسبقة.

فحين كانت تُدفن الضحايا، أصدرت نقابة المهندسين متفاخرة «النسخة المطورة من الدليل الإرشادي للكشف والمراقبة على المباني»، مرفقة باستمارات معاينة وتفاصيل نظرية عن إدارة الجودة.
وهنا السؤال الملحّ، أين كانت هذه «الأدلة النظرية» عندما عاد النازحون إلى منازلهم؟ وأين اللجان الهندسية المشتركة مع الجهات العامة التي كان من المفترض أن تؤدي دورها لمنع السكن في منازل محكوم عليها بالإعدام؟
إنها إدانة فاضحة على أفعال مُعدّة للاستهلاك الإعلامي فقط، فعمليات الإخلاء التي تتم من قبل الجهات الرسمية بعد فوات الأوان، ليست سوى إعلان رسمي بالإفلاس الأخلاقي والمهني.


لماذا يعود السوريون ليسكنوا في «مقابرهم المأهولة»؟


ببساطة لأنهم عانوا الأمرّ من سماسرة الإيجارات والعقارات ولا خيار أمامهم في ظل غياب أي خطة إسكان بديلة من الدولة، تماشياً مع السياسات الليبرالية التي كرست تراجع دورها والانكفاء عن مسؤولياتها ومهامها، ليجد المفقر نفسه أمام معادلة مستحيلة، إما البقاء بلا مأوى أو العودة إلى جدران متصدعة يعرف أنها قد تنهار في أي لحظة، وهذا ما دفع البعض لتحميل المباني المنهكة طوابق إضافية ليس بقصد «المخالفة» و«التربح» فقط، بل استغلالاً لاضطرار المفقرين للتخلص من جشع السوق السوداء للعقارات النظامية (إيجاراً أو تملكاً)، في ظل استمرار سياسات الإفقار المعمم وترك المواطن فريسة بين مطرقة الفقر وسندان الموت، إنه تواطؤ صامت وجريمة موصوفة لا تقل بشاعة عن قذائف الدمار نفسها.
أما كفى عبثاً بحياة السوريين تحت شعار «إجراءات احترازية» تأتي دائماً متأخرة؟!

فقد حان الوقت للتوقف عن القفز على الواقع والتعالي على مآسي المفقرين التي يجب أن تكون نقطة تحول جذرية، تقوم على أسس واضحة لا تحتمل المماطلة، بتفعيل دور الرقابة المسبقة وتضافر جهود الجهات المعنية، إلى توفير السكن البديل كحق وليس «مِنّة» وكسر احتكار سماسرة الحرب والموت، كما محاسبة المتقاعسين علناً، فالجميع يتحمل المسؤولية من الحكومة والبلديات والمحافظات إلى نقابة المهندسين.
ففي كل مرة ينهار فيها مبنى، تخرج الأصوات الرسمية «بالتعازي والمواساة»، ولكن أي عزاء هذا الذي يُقدم بيد، بينما اليد الأخرى مغموسة في دماء الضحايا؟
لقد سئم السوريون أن يدفنوا أحباءهم أحياء تحت أنقاض لم تخلقها الحرب وحدها، بل خلقتها عقلية الاستهتار واللا مبالاة الممنهجة، فكرامة وسلامة وحياة المواطن مسؤولية، وحمايتها واجب يتطلب التحرك العاجل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275