«الذهب الأخضر...» ثروة وطنية مهملة تختفي بصمت!
منية سليمان منية سليمان

«الذهب الأخضر...» ثروة وطنية مهملة تختفي بصمت!

بين «الزعتر البري» الذي يموت صامتاً و«الأوركيد» الذي يُقتلع من جذوره، يتحول «الذهب الأخضر» السوري إلى سلعة رخيصة تستنزف مستقبل البيئة والمفقرين في مشهدٍ يتكرر يومياً تحت وطأة فقر قاتل وظروف اقتصادية خانقة.

نباتاتٌ برية تحولت إلى «غنيمةٍ» يتصارع عليها تجار الجشع، في غيابٍ وتغييبٍ رسمي فاضح وكأنها ليست جزءاً من ثروات البلاد.


من يوقف هذا النزيف؟


للوهلة الأولى، قد تبدو النباتات البرية المحلية مجرد حشائش عادية تنمو «بمعزل عن بيئتها» لكنها في الحقيقة تمثل أحد أهم الكنوز الاقتصادية المهملة في سورية، فالزعتر البري، والقبار، والأوركيد (العنطريف أو السحلب البري)، وغيرها من أنواع الأعشاب والنباتات الطبية والعطرية التي تزخر بها البيئة المحلية بفضل التنوع المناخي الفريد بين الساحل الرطب والصحاري الجافة، فهي تدخل في صناعات كالدواء والغذاء والتجميل، ويستخرج منها زيوت ومواد ومستحضرات وتركيبات تباع بأسعار خيالية في الأسواق العالمية.
فدونم واحد من «القبار» المحلي مثلاً، بحال سُخرت الإمكانات لزراعته المستدامة، ينتج دخلاً أكبر بخمس مرات من دونم الزيتون، حيث يصل سعر الكيلو غرام منه عالمياً إلى 25 دولاراً.
فلو أُحسن استثمار هذه الثروة الطبيعية والبيئية، لكانت داعماً مهماً للاقتصاد الوطني، لكنها بقيت «مشاعاً» لكل «من هبّ ودبّ» دون رقابة، وتحولت بفعل الإهمال الرسمي إلى ساحة للاستغلال وتدمير مستقبل هذا المورد الحيوي من خلال التعشيب العشوائي والجائر لها.

إعلانات تهدد نباتات بالانقراض


تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى أسواق لبيع مستقبل البيئة السورية، فقد رُصِدت مجموعات تسويقية على «فيسبوك» تروج لجمع «درنات» نبات «السحلب البري» ليشتريها التجار بأسعار زهيدة لا تتجاوز 3 إلى 5 دولارات.
لكن الثمن الحقيقي لا يُقدر بما يُدفع بالدولارات مقابله، بل بتأثيره السلبي على حساب التنوع الحيوي والتوازن البيئي.
إذ للحصول على كيلوغرام واحد من الدرنات المطلوبة، يُقتلع ما بين 150 و300 نبتة، وهو ليس كأي نبات؛ إنه حساس وبطيء النمو، وتستغرق درناته سنوات لتتكون، لذا فاستمرار الجور بجمعه للتكسب السريع والسهل يعني حكم الإعدام عليه، ليتربح التجار وتُباد الطبيعة، وهكذا يتحول «الذهب الأخضر» إلى مجرد مادة خام تُهرب أو تُصدّر بأسعار لا ترقى لقيمتها المطلقة بيئياً واقتصادياً.


استغلال الجوع والقادم أعظم


ما يحدث اليوم هو إعادة إنتاج لسيناريو مأساوي سابق ليكون لهذه النباتات، على اختلاف أنواعها، المصير نفسه المهدد باختفائها كلياً، مع استغلال الفقر المدقع والبطالة، السلاح الذي يُستخدم لتحويل المفقرين إلى أدوات طيّعة تدمر بيئتها أمام ما يكابده هؤلاء من ظلم السياسات الاقتصادية الاجتماعية المتبعة تجاههم.
إنها سياسة ممنهجة لاستنزاف الموارد الطبيعية بإهمال وتهرب رسمي من المسؤوليات تماشياً مع السياسات التي كرست تراجع دور الدولة وانكفائها عن مهامها، مُخرِجة كل القباحة التي يدفع ثمنها المفقرون والبيئة على حدٍ سواء.
والمطلوب، حلول جذرية بتدخل حقيقي من الدولة أمام هذه الكارثة البيئية المتفاقمة، ما يطرح أسئلة لا تحتمل التأجيل:


أين دور وزارة الزراعة وحماية البيئة؟


وماذا عن غياب البنية القانونية الرادعة التي تحمي هذه الثروات من الاستغلال والانهيار؟
فسن تشريعات صارمة لصون هذا التنوع الحيوي الثري واجب وضرورة وطنية، فسورية تمتلك أكثر من 3600 صنف من النباتات الطبية والعطرية بحاجة إلى استراتيجية وخطة وطنية شاملة لإدارتها، تبدأ بتوثيق هذه الثروة، إلى حماية البيئة من الجمع الجائر، وصولاً إلى استثمارها بصناعات تحويلية محلية، طبية وغذائية وتجميلية، تستفيد منها محلياً وعالمياً بدلاً من تصديرها وتهريبها بأبخس الأثمان.
إن استمرار رفع اليد عن هذا القطاع لن يؤدي إلى حرمان البلاد من اقتصاد مزدهر فقط، بل سيكتب شهادة وفاة لأجيال قادمة من نباتاتنا البرية الفريدة، فالوقت ينفذ والأرض التي تئن تحت أقدام الجائعين والجشعين تنتظر حلولاً حقيقية وبعيدة المدى!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275