تفشّي التهاب الكبد في درعا... إنذار

تفشّي التهاب الكبد في درعا... إنذار

لم يعد من الممكن التعامل مع تكرار تفشّي الأمراض الوبائية في عدد من مناطق البلاد بوصفه أحداثاً طارئة منفصلة، بل أصبح من الواضح أن تدهور البنية التحتية لشبكات المياه والصرف الصحي بات يشكّل خطراً مباشراً ومستداماً على صحة وحياة الناس في أكثر من محافظة وبلدة.

فما يجري اليوم في بلدة محجة بريف درعا، وما سبقها في مناطق أخرى مثل الحراك، ليس سوى انعكاس صارخ لواقع خدماتي متردٍ، تتحوّل فيه أبسط مقومات الحياة– الماء النظيف والصرف الصحي السليم– إلى مصدر تهديد صحي واسع النطاق.


محجة... بؤرة جديدة لانتشار التهاب الكبد


في بلدة محجة، أعلنت الجهات الصحية تسجيل 27 حالة مؤكدة مخبرياً من التهاب الكبد الوبائي (A)، وفق ما نُشر في 21 نيسان 2026 عبر مصادر رسمية منها وكالة سانا. وقد تركزت الإصابات في الحي الشرقي من البلدة، مع تسجيل بؤرة واضحة داخل مدرسة محجة الابتدائية الثالثة.
التقارير الصحية أوضحت أن الإصابات ظهرت بشكل متفرق بين طلاب المدرسة وسكان الحي، قبل أن تتسع دائرة الاشتباه وتبدأ عمليات التقصي الوبائي، وسط إجراءات إسعافية شملت التعقيم ومتابعة مصادر المياه.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هنا: كيف يصل مرض مرتبط أساساً بالمياه الملوثة إلى قلب مدرسة وحي سكني كامل بهذا الشكل؟


قبل محجة... الحراك نموذج مشابه في شباط الماضي


ما حدث في محجة لم يكن الأول من نوعه. ففي شباط 2026، شهدت مدينة الحراك في ريف درعا تفشياً مماثلاً لالتهاب الكبد A، حيث تم تسجيل عشرات الإصابات.
حينها، أظهرت التحقيقات الصحية أن السبب المباشر كان تسرباً واختلاطاً بين مياه الشرب وشبكات الصرف الصحي نتيجة تردي البنية التحتية، ما أدى إلى انتشار العدوى بشكل واسع بين السكان، خصوصاً الأطفال.
هذه الحادثة لم تكن مجرد «تفشٍ صحي»، بل كانت إنذاراً واضحاً بأن شبكات المياه في بعض المناطق وصلت إلى مرحلة خطرة من التدهور.


القاسم المشترك...بنية تحتية متهالكة


بين محجة والحراك وغيرها من المناطق التي شهدت حالات مشابهة، تظهر قواسم مشترك لا يمكن تجاهلها:
شبكات مياه قديمة ومهترئة
اختلاط متكرر بين مياه الشرب والصرف الصحي
غياب الصيانة الدورية أو تأخرها
ضعف الرقابة على جودة المياه
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ المرض ليس مفاجئاً... بل متوقع في بيئة كهذه.


التهاب الكبد مرض وبائي لا يُستهان به


التهاب الكبد A ليس مرضاً بسيطاً أو عابراً كما قد يُظن، بل هو مرض فيروسي وبائي شديد العدوى ينتقل عبر المياه والأغذية الملوثة، ويمكن أن ينتشر بسرعة في التجمعات السكنية والمدارس.
ورغم أن نسبة الوفيات فيه منخفضة مقارنة بغيره من أمراض الكبد، إلا أن خطورته تكمن في:
سرعة انتشاره
قدرته على إصابة أعداد كبيرة خلال وقت قصير
تأثيره الصحي المرهق على المصابين
تعطيل الحياة اليومية والعملية في المناطق المصابة
وبالتالي، فإن التعامل معه «كحالة موسمية» أو «تفشٍ محدود» هو تقليل خطر من حجمه الحقيقي.


إلى متى يبقى الحل إسعافياً؟


ما يحدث في محجة والحراك ليس مجرد ملف صحي، بل فشل بنيوي في إدارة أبسط مقومات الحياة العامة.
فتعقيم المدارس، وعزل الحالات، وتقديم التوعية، كلها إجراءات ضرورية لكنها تبقى سطحية ما لم تُعالج الجذور.
الجذر الحقيقي للمشكلة واضح؛ إعادة تأهيل شبكات المياه- فصلها بشكل كامل عن الصرف الصحي- صيانة دورية إلزامية وليس استثنائية- رقابة صارمة على مصادر المياه في الأحياء والمدارس.
من دون ذلك، ستبقى المشاهد نفسها تتكرر؛ تفشٍ جديد، منطقة جديدة، ومرض يمكن الوقاية منه لكنه يعود مراراً.


التجاهل يعيد صناعة الأزمة


ما بين محجة والحراك، وما بين مدن وأحياء أخرى مرشحة لسيناريو مشابه، يبدو المشهد وكأنه حلقة مفرغة من الإهمال والتأجيل.
إن استمرار تدهور شبكات المياه والصرف الصحي لم يعد مجرد مشكلة خدمية، بل أصبح قضية صحة عامة تهدد حياة الناس بشكل مباشر.
فكل تفشٍّ جديد لالتهاب الكبد ليس إلا تذكيراً قاسياً بأن تجاهل البنية التحتية لا يؤجل الأزمة... بل يصنعها من جديد، بشكل أشد وأوسع.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275