العملية التعليمية تفقد جوهرها... التقصير والتخبّط في إدارة الجامعات السورية؟!
في قلب المشهد التعليمي الجامعي السوري، حيث يُفترض أن تُبنى العقول وتُصقل المهارات، تتكشف مأساة صامتة يعيشها طلاب باتوا محاصرين بين واقعين، مختبرات جامعية متداعية بالكاد تصلح للشرح النظري، وقرارات إدارية لا ترحم بإلزامهم بالدوام في ظل إمكانات قاصرة لقاعات قد لا تستوعبهم أصلاً. وبينما تعاني البلاد من أزمة اقتصادية طاحنة دفعت بتسعة من كل عشرة سوريين تحت خط الفقر، يجد الطالب نفسه في مواجهة معادلة قاسية، إما أن يضحي بتعليمه ليعمل ويأكل، أو يتضور جوعاً ليحقق نسبة دوام مفروضة بقرار لا يعبأ بظروفه.
حين يتحول العملي إلى «نظري»
في أروقة كليات العلوم والهندسة في جامعة حلب مثلاً، لا يحتاج الطالب إلى آلة زمن ليعود عقوداً إلى الوراء، يكفيه أن يدخل أحد المخابر ليرى حواسيب قديمة تستغرق دقائق طويلة للإقلاع «إن وجدت»، وتجهيزات متقادمة تحوّل التجارب التطبيقية إلى مجرد شرح نظري على الورق.
فيشكو الطلاب من غياب أبسط الأدوات المخبرية كالحساسات وأجهزة القياس وغيرها، ليُختزل تخصصهم العلمي إلى معادلات نظرية جامدة وامتحان ورقي لا يقدم ولا يؤخر، هذه ليست مصادفة، بل سياسة إهمال مزمنة نتج عنها حرمان الطالب من الجوهر الحقيقي لتخصصه العلمي، وتخريج دفعات كاملة إلى سوق عمل تفتقر الكفاءات العملية، بينما هم لا يملكون سوى شهادات ورقية لا تغني ولا تسمن من جوع.
تخبط إداري يضاعف أعباء الطالب
أما على المقلب الآخر، ففي جامعة اللاذقية يواجه طلاب كلية الآداب محنة من نوع آخر بعد قرار مفاجئ يلزمهم بنسبة دوام 75%!
كيف لطالب بالكاد يستطيع تغطية تكاليف تنقله اليومية، والتي قد تصل إلى عشرة آلاف ليرة سورية في اليوم الواحد، أن يلتزم بهذه النسبة الصارمة؟
إنه قرارٌ صادر في برج عاجي، ليس بعيداً عن واقع قلة المدرجات والقاعات والكادر التدريسي لتنفيذ هذا الالزام فقط، بل عن واقع الطالب الذي لجأ للعمل الجزئي لتأمين لقمة عيشه ومتطلبات دراسته، ليجد نفسه أمام خيارين كلاهما مُرّ، إما التخلي عن الدراسة أو التخلي عن عمله وقوت يومه.
سياسة «تطفيش» ممنهجة
هذان المشهدان في جامعتي حلب واللاذقية ليسا منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة هي سياسة التعليم العالي المعممة والقائمة على «تطفيش» الطالب وإغراقه بقرارات منفصلة عن الواقع، إنها إدارة تتمسك بقشور العملية التعليمية (كنسبة الدوام) على أهميتها لكن تتجاهل جوهرها الأهم المتمثل في تأهيل الطالب ليكون متمكناً وقادراً على خوض غمار الحياة، والنتيجة الحتمية لهذا النهج «الذي يمكن تعميمه على الجامعات السورية كافة»، ستكون مخرجات غير مؤهلة، تصطدم بسوق عمل متخم ببطالة تجاوزت 60%، لتضاف إلى طوابير العاطلين عن العمل الذين لا يجدون فرصة تليق بشهادتهم.
لقد آن الأوان لوزارة التعليم العالي ولإدارة الجامعات أن تعيد ترتيب أولوياتها، وأن تضع مصلحة الطالب أولوية هذه الأولويات، قبل أن يتحول الحلم الجامعي إلى كابوس يطارد أجيالاً كاملة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1275
رشا عيد