الليشمانيا في الرقة... حين تتأخر الاستجابة عن موعدها

الليشمانيا في الرقة... حين تتأخر الاستجابة عن موعدها

في الوقت الذي تتكرر فيه موجات تفشي الليشمانيا في عدد من المناطق، ومنها ريف الرقة، تتكشف مجدداً إشكالية بنيوية أعمق من مجرد انتشار مرض طفيلي مرتبط بذبابة الرمل؛ إنها إشكالية غياب الحماية الاستباقية المستدامة، مقابل الاعتماد شبه الدائم على حملات طارئة تأتي غالباً بعد تفاقم الوضع لا قبله.

ففي 22 نيسان 2026، نقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) عن مديرية البيئة في محافظة الرقة إطلاق حملة استجابة طارئة في منطقة الهيشة بريف المحافظة لمكافحة بؤر انتشار الليشمانيا، بمشاركة جهات خدمية عدة، شملت مديرية الخدمات الفنية والموارد المائية، إضافة إلى البيئة.
ووفق ما ورد في سانا، تركزت أعمال الحملة على ترحيل النفايات المتراكمة، وتعزيل المصارف، وردم الخنادق والمستنقعات، ومعالجة بؤر المياه الراكدة، إلى جانب التحضير لإجراءات رش مبيدات للحد من تكاثر ذبابة الرمل الناقلة للمرض.
هذه الإجراءات، رغم أهميتها في الحد من انتشار المرض، تكشف في جوهرها أن التدخل جاء بعد أن تحولت البيئة نفسها إلى حاضنة نشطة للوباء، وليس قبل ذلك.


الليشمانيا... مرض بيئي بامتياز في بيئة مهملة


الليشمانيا ليست مجرد مرض جلدي عابر، بل هي مؤشر مباشر على خلل بيئي وصحي متراكم. انتشارها يرتبط بشكل وثيق بوجود...
النفايات المكشوفة والمتراكمة
المياه الآسنة والبرك الطينية
المصارف المفتوحة غير المعالجة
ضعف خدمات النظافة والصرف الصحي
وهنا تتجاوز المشكلة حدود الرقة، لتصبح ظاهرة عامة تمتد على طول البلاد وعرضها، حيث تعاني مدن وبلدات وقرى عديدة من أزمة مزمنة في إدارة النفايات، بما يحولها إلى بيئات مثالية لتكاثر الحشرات الناقلة للأمراض.

أزمة القمامة... البنية التحتية المنهكة كعامل إنتاج للمرض

ما يجري في الرقة ليس استثناءً، بل نموذج مكثف لأزمة أوسع؛ تكدس القمامة وغياب الترحيل المنتظم في العديد من المحافظات.
إن تراكم النفايات في الأحياء السكنية وعلى أطراف المدن والقرى لا يخلق مظهراً بيئياً متدهوراً فقط، بل يؤسس عملياً لبؤر تكاثر للحشرات والقوارض- مصادر تلوث مائي وتربة- بيئات مثالية لانتشار الأمراض الجلدية والمعوية.
وفي هذا السياق، تبدو الحملات الطارئة، مهما كانت جادة، أقرب إلى إطفاء حرائق متكررة بدل منع اندلاعها.

منطق متأخر... وضرورة التحول إلى الوقاية

إن الاستجابة التي تعتمد على التدخل بعد تفشي المرض لم تعد كافية، خاصة مع اقتراب فصل الصيف الذي يضاعف من نشاط الحشرات الناقلة.
ما تحتاجه المرحلة اليوم هو تحول جذري في فلسفة العمل، يقوم على...
الحماية الاستباقية بدل الطوارئ، أي الانتقال من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب قبل تفاقمها، عبر خطط سنوية ثابتة لا موسمية.
مسؤولية مؤسساتية واضحة، حيث تقع على عاتق وزارة الصحة؛ تعزيز الرصد الوبائي- والتوعية- وتوسيع العلاج المجاني والمبكر. وعلى عاتق وزارة الإدارة المحلية والبيئة؛ إدارة صارمة ومنتظمة لملف النفايات والمكبات- ومنع تشكل البؤر البيئية الخطرة.
معالجة جذرية لملف النفايات، فاستمرار مشهد القمامة المتكدسة في مساحات واسعة من البلاد لم يعد مجرد خلل خدمي، بل عامل إنتاج مباشر للأمراض، وعلى رأسها الليشمانيا. ويشمل ذلك؛ ترحيل منتظم للنفايات لا موسمي- إغلاق المكبات العشوائية- معالجة مياه الصرف والمستنقعات- مراقبة بيئية مستمرة للمناطق الأكثر هشاشة.


الوقاية قبل العلاج


ما بين حملات الاستجابة الطارئة في الرقة، وواقع التدهور البيئي في مناطق متعددة، تتضح معادلة واحدة تقول إنه لا يمكن كسب معركة صحية بأدوات متأخرة على بيئة تُنتج أسباب المرض يومياً.
فالليشمانيا هنا ليست مجرد وباء، بل مرآة لخلل أعمق في إدارة البيئة والنظافة العامة. ومع كل حملة طارئة جديدة، يتأكد أن المطلوب ليس التدخل فقط، بل إعادة بناء منطق كامل يقوم على الوقاية قبل العلاج، وعلى التخطيط قبل الانفجار.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275