الدولار في سورية أداة نقدية أم منظومة أسعار متصارعة
في الأيام الأخيرة، عاد ملف الحوالات الخارجية في سورية إلى الواجهة بعد صدور قرار مصرف سورية المركزي الذي يقضي بتسليم الحوالات الواردة عبر شركات التحويل السريع مثل «ويسترن يونيون» ومثيلاتها بالليرة السورية حصراً وفق سعر النشرة مع هامش تسعير.
اللافت في هذا السياق لم يكن القرار وحده، بل المسار الإعلامي المرافق له: نفيٌ أولي للخبر، ثم ظهور صورة قرار متداولة، قبل أن يصدر توضيح لاحق يؤكد مضمون القرار ويعيد تفسيره ضمن إطار «تنظيمي» للحوالات وليس تغييراً جذرياً في السياسة النقدية.
هذا التناقض في التوصيف بين النفي والتوضيح أعاد فتح النقاش حول بنية سوق الصرف في سورية، وحدود فعالية السياسة النقدية في ضبطه.
تعدد أسعار الصرف... من حالة استثنائية إلى بنية دائمة
في الواقع العملي، لم يعد الحديث في السوق السوري يدور حول «سعر صرف واحد» أو حتى «سعرين»، بل حول منظومة متعددة الطبقات من التسعير، تتداخل فيها الاعتبارات الرسمية والسوقية والتحوطية. حيث يمكن اليوم رصد خمسة مستويات رئيسة:
السعر الرسمي (سعر النشرة)، ويُفترض أنه المرجع الأساسي للسياسة النقدية، لكنه عملياً بات يُستخدم كمؤشر إداري أكثر من كونه سعراً فعلياً لتبادل العملات.
سعر المشتقات النفطية، وهو سعر رسمي آخر، يؤثر على حساب تكاليف المواصلات والنقل والإنتاج والخدمات والسلع.
سعر السوق الموازي، وهو السعر الذي يعكس العرض والطلب على الدولار في التداول النقدي الداخلي، ويُعد المرجع لبعض المعاملات اليومية في كثير من القطاعات.
سعر الحوالات الخارجية، وفق التوجه الجديد، يتم تسليم الحوالات بالليرة السورية حصراً عبر شركات التحويل، بسعر رسمي مضاف إليه هامش تسعير. وهذا يخلق سعراً وسطياً «مُداراً» بين الرسمي والموازي، لكنه غير مستقل بذاته عنهما.
سعر الدولار التحوطي (التسعير التجاري)، وهو الأهم في السلوك الاقتصادي الفعلي، حيث يتم تسعير المنتجات والسلع على أساس سعر افتراضي أعلى من السوق الموازي نفسه، كنوع من التحوط ضد تقلبات سعر الصرف.
اقتصاد متعدد الطبقات
هذا التشظي في أسعار الصرف أدى عملياً إلى نشوء اقتصاد لا يعمل وفق مرجعية نقدية واحدة، بل وفق شبكة من الأسعار المتوازية سابقة الذكر.
إضافة إلى ذلك، سيظهر مجدداً ما يمكن وصفه «بسوق ظل للحوالات»، يتغذى على الفجوة بين أسعار القنوات الرسمية والسوق الفعلي، وسيعمل كآلية التفاف على القيود أو الفروقات السعرية عبر شبكات محلية ودولية مترابطة.
أين تكمن الإشكالية النقدية؟
الإشكالية الأساسية ليست في تعدد الأسعار بحد ذاته، بل في غياب تقارب مستقر بينها.
ففي الأنظمة النقدية التي تعتمد تعدد أسعار الصرف، يكون الهدف عادة هو: تقليص الفجوة تدريجياً نحو سعر توازني واحد، لكن في الحالة السورية، تحولت الفجوة إلى بنية مستقرة، ما أدى إلى: تشوه في إشارات السوق- صعوبة في التخطيط الاقتصادي- تضخم «تحوطي» في الأسعار- انتقال الدولار من كونه عملة تبادل إلى أداة تسعير ومضاربة.
من يحدد السعر الفعلي؟
في ظل هذا التعدد، لم يعُد المصرف المركزي هو الجهة الوحيدة التي «تحدد» سعر الصرف، بل أصبح هناك عدة مراكز تأثير: السوق الموازي، وشركات الصرافة والتحويل، والتجار والمستوردون، وشبكات التحويل غير الرسمية، بالإضافة إلى سلوك الأفراد في الادّخار والتحوط.
وبذلك تحول السعر إلى نتيجة تفاعل قوى متعددة، وليس قراراً نقدياً مركزياً فقط.
إدارة أزمة أم استقرار مديد
يمكن القول إن السياسة النقدية في هذه المرحلة تبدو أقرب إلى إدارة أزمة مستمرة منها إلى سياسة استقرار طويلة الأمد. فبدلاً من وجود مسار واضح نحو توحيد سعر الصرف، أو تثبيت نقدي قابل للاستدامة، يظهر المشهد كمنظومة تعديلات جزئية وتسويات سعرية مؤقتة، وتدخلات في قنوات محددة دون إعادة هيكلة شاملة للسوق النقدي. وهذا ما أدى عملياً إلى انتقال مركز القوة من السياسة النقدية الرسمية إلى قوى السوق غير الرسمية.
النتيجة الاجتماعية والاقتصادية
بالنسبة للمواطن والقطاع الإنتاجي، النتيجة ليست مجرد أرقام مختلفة للدولار، بل صعوبة في تقدير القيمة الحقيقية للدخل، وإعادة تسعير مستمرة للسلع والخدمات، بالتوازي مع تآكل القدرة الشرائية، أي مزيد من الإفقار، بالإضافة إلى تزايد الاعتماد على «سعر الدولار المتوقع» بدل السعر الفعلي.
ضرورة استعادة المرجعية النقدية الواحدة
قرار مصرف سورية المركزي الأخير حول الحوالات الخارجية، وما رافقه من نفي وتوضيح، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل أعاد تسليط الضوء على واقع أوسع يتمثل في اقتصاد متعدد أسعار الصرف، تتداخل فيه القنوات الرسمية مع السوق الموازي وسلوكيات التحوط.
وفي ظل استمرار الفجوة بين هذه المستويات، يبقى التحدي الأساسي ليس في «تحديد سعر جديد»، بل في ضرورة استعادة المرجعية النقدية الواحدة القادرة على تقليل التشوه وتقليص نتائجه وانعكاساته، قبل أن يتحول تعدد الأسعار من حالة استثنائية إلى نظام دائم مرتبط أكثر بشبكات مصالح داخلية وخارجية يصعب تفكيكه.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1275