معركة الأمن الغذائي من سنابل القمح إلى رغيف الخبز
لم يعد القمح في سورية مجرد محصول زراعي موسمي، بل تحوّل إلى خط تماس مباشر مع معيشة الناس، حيث يختصر رغيف الخبز يوميات السوريين ويعكس في الوقت نفسه عمق الأزمة الاقتصادية والغذائية في سياق داخلي شديد الهشاشة. ومع الارتفاع الأخير في أسعار القمح عالمياً، والذي بلغ نحو 5% خلال أسبوع واحد في بورصة شيكاغو مطلع عام 2026 وفق تقارير اقتصادية دولية، تتكثف الضغوط على بلد لم يستعد بعد توازنه الزراعي منذ أكثر من عقد.
داخلياً، تبدو الصورة مزدوجة، فموسم 2026 يحمل مؤشرات تحسن نسبي، في حال استمرار الظروف المناخية الجيدة، لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تعني تحقيق الاكتفاء، لأن حاجة البلاد السنوية تتراوح بين 2,5 و3 ملايين طن وفق تقديرات متداولة منذ عام 2024، ما يعني أن هناك فجوة قائمة، حتى بوجود مؤشرات على تقلصها مؤقتاً.
هذا العجز ليس طارئاً، بل نتيجة مسار طويل من التراجع، فسورية التي كانت قبل عام 2011 من الدول المصدّرة للقمح، أصبحت خلال السنوات الأخيرة تعتمد على الاستيراد لتأمين جزء كبير من احتياجاتها، ووصلت الفجوة في بعض المواسم إلى نحو 70–80% من الاستهلاك المحلي وفق بعض التقديرات بين 2022 و2024. هذا التحول الاستراتيجي جعل البلاد شديدة الحساسية لأي اضطراب عالمي وأكثر عرضة لتقلبات السوق العالمية، سواء في الأسعار أو سلاسل الإمداد، كما يحدث حالياً مع أزمة الطاقة والأسمدة، حيث لم يعد سعر الخبز محكوماً بالإنتاج المحلي فقط، بل ً بأسعار الطاقة والشحن والأسمدة عالمياً أيضاً.
الأزمة العالمية الراهنة تضاعف هذا التعقيد وتفاقم الهشاشة المحلية، فاضطرابات إمدادات الغاز وارتفاع تكاليف الطاقة أثّرت مباشرة على صناعة الأسمدة، التي تُعد عنصراً أساسياً في زراعة القمح. ومع ارتفاع أسعار الأسمدة عالمياً خلال 2025 وبداية 2026، وجد المزارع السوري نفسه أمام معادلة صعبة؛ تكلفة إنتاج مرتفعة مقابل قدرة شراء ضعيفة، ما يدفع كثيرين إلى تقليص المساحات المزروعة أو خفض استخدام المدخلات، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية.
وفي الوقت الذي تعمل فيه الحكومة على تأمين القمح عبر الاستيراد، تظهر تحديات التمويل بوضوح، بالإضافة إلى الصعوبات مع الموردين في إبرام صفقات الاستيراد، بسبب نقص الموارد المالية مع تعقيدات الدفع. وهنا تتجلى خطورة المرحلة؛ ليس في توفر القمح عالمياً فقط، بل في القدرة على الوصول إليه.
في سورية، لا يُقاس الأمن الغذائي بتوفر الغذاء عموماً، بل بتوفر الخبز تحديداً، ووسط هذه المعطيات، يصبح القمح مسألة سيادية بامتياز، وتتحول كل حبة إلى قيمة استراتيجية. فالهدر في التخزين أو النقل، أو التسرب إلى السوق السوداء، لم يعد مجرد خلل إداري، بل خسارة مباشرة من الأمن الغذائي.
في هذا السياق، تبرز مسؤوليات الحكومة بوصفها حاسمة في تحديد المسار. فالمطلوب لم يعد إدارة أزمة موسمية، بل بناء سياسة متكاملة تحمي الإنتاج وتمنع التفريط به. يبدأ ذلك من إعطاء أولوية مطلقة لزراعة القمح مقارنة بمحاصيل أقل استراتيجية، ودعم الفلاح بشكل مباشر، عبر تسعير مجزٍ للقمح يغطي تكاليف الإنتاج ويحقق هامش ربح، خاصة في ظل ارتفاع أسعار البذار التي قُدّرت بنحو 500 دولار للطن في تقارير محلية خلال 2025، إضافة إلى تأمين الأسمدة والوقود بأسعار مدعومة تضمن استمرار الزراعة.
وفي الوقت نفسه، يصبح منع الهدر أولوية لا تقل أهمية عن زيادة الإنتاج، إذ يتطلب الأمر إعادة تأهيل الصوامع والمطاحن العامة، وتحسين النقل، وضبط عمليات التسويق، بحيث لا تضيع أي كمية خارج القنوات الرسمية. كما أن الحفاظ على دعم الخبز ضرورة اجتماعية واقتصادية، مع الحاجة إلى تحسين جودته ومواصفاته.
ما تكشفه الأزمة الحالية هو أن الأمن الغذائي في سورية لم يعد مسألة إنتاج فقط، بل منظومة مترابطة تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند المخبز. وإذا كانت الأسواق العالمية قد أثبتت تقلبها، فإن الرهان الحقيقي يبقى على الداخل؛ على قدرة الدولة في هذه المرحلة على حماية محصولها الاستراتيجي، وعلى تحويل كل سنبلة قمح إلى رغيف خبز مستقر على موائد السوريين.
فمعركة القمح لا تختصر في أرقام الإنتاج والاستيراد، بل في سؤال بسيط وحاسم: هل يستطيع المواطن الحصول على خبزه يومياً دون قلق؟ والإجابة عن هذا السؤال هي المعيار الحقيقي لنجاح السياسات، وهي الاختبار الأوضح لمستقبل الأمن الغذائي في البلاد.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1274