صناعة تُخنق...

صناعة تُخنق...

لم يكن انهيار صناعة السيراميك في سورية حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة مسار طويل من الإهمال والسياسات المرتبكة التي دفعت واحداً من أهم القطاعات الصناعية إلى حافة الشلل. ما يجري اليوم ليس مجرد تراجع عابر في الإنتاج، بل انهيار تدريجي يكشف بوضوح كيف تُترك الصناعة الوطنية لتواجه مصيرها وحدها، في سوق مفتوحة بلا حماية، وتكاليف إنتاج خانقة، وغياب شبه كامل لأي دور فعال للدولة.

تكفي الأرقام الصادمة التي أوردتها صحيفة «الثورة السورية» لتلخيص حجم الكارثة؛ قطاع يمتلك طاقة إنتاجية تتجاوز 52 مليون متر مربع سنوياً، لا ينتج فعلياً سوى نحو 7,4 ملايين متر مربع فقط، أي إنه يعمل بأقل من خُمس قدرته تقريباً. هذه الفجوة ليست رقماً فنياً، بل دليل حي على تعطل المعامل، وتوقف خطوط الإنتاج، وخروج منشآت كاملة من الخدمة، في مشهد أقرب إلى التفريغ المنهجي للقطاع.

المعامل التي كانت تشكل عصب هذه الصناعة لم تعد كما كانت. أسماء مثل بلقيس وزنوبيا وغيرها لم تعد رموزاً للإنتاج، بل أمثلة على التوقف الجزئي أو الكامل، بعد أن دفعها الواقع الاقتصادي القاسي إلى الانسحاب من السوق أو تقليص نشاطها إلى الحد الأدنى. ومع قرار فتح باب الاستيراد برسوم منخفضة، لم يعد المنتج المحلي قادراً على المنافسة أصلاً، بل وجد نفسه في مواجهة غير متكافئة مع بضائع مستوردة أرخص، بعضها لا يلتزم حتى بالمواصفات، كما تشير الصحيفة نفسها.
الأثر لم يتوقف عند حدود الإنتاج، بل امتد ليضرب العمالة بشكل مباشر وقاسٍ. هذا القطاع الذي كان يؤمّن فرص عمل لآلاف العمال بشكل مباشر، إضافة إلى الآلاف في العمل غير المباشر في سلاسل مرتبطة بالتغليف والصيانة والتوريد والنقل، يشهد اليوم تراجعاً حاداً في هذه الأرقام، مع توقف المعامل وانكماش النشاط. ما يعني عملياً أن آلاف العائلات فقدت مصادر دخلها، وأن سلسلة كاملة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسيراميك دخلت في حالة شلل.

أما الأسباب، فهي معروفة حد الابتذال، لكنها مستمرة بلا معالجة. تكاليف الطاقة وحدها تبتلع نحو 45% من كلفة الإنتاج، في ظل الاعتماد على وقود مستورد مرتفع السعر، وبيع المحروقات للصناعيين بأسعار تفوق نظيراتها العالمية. في المقابل، تُفتح الأسواق أمام الاستيراد برسوم منخفضة، في معادلة عبثية تجمع بين أعلى تكاليف إنتاج وأدنى مستويات الحماية. والنتيجة الطبيعية لمثل هذه السياسات ليست سوى إخراج المنتج المحلي من المنافسة، وهو ما حدث فعلاً.
المشكلة الأعمق ليست في الأرقام وحدها، بل في غياب أي رؤية حقيقية لحماية الصناعة. فالدولة التي يفترض أن تكون حامية للإنتاج الوطني، تبدو وكأنها تخلّت عن هذا الدور، تاركة
السوق لقوانين غير متوازنة، حيث تُكافأ التجارة السريعة على حساب الإنتاج طويل الأمد. وبينما يطالب الصناعيون برفع الرسوم الجمركية مؤقتاً، وضبط جودة المستورد، وتخفيض تكاليف الطاقة، والسماح بالحصول على المحروقات بأسعار عادلة، تبقى هذه المطالب في إطار التصريحات دون ترجمة فعلية على الأرض.

الخَطِر في المشهد أن ما يحدث في السيراميك ليس حالة استثنائية، بل نموذج مكثف لما تعانيه قطاعات صناعية أخرى. وكأن هناك مساراً واضحاً يدفع الصناعة نحو التراجع لصالح النشاط التجاري، في ظل بيئة لا تشجع الإنتاج ولا تحميه. ومع استمرار هذا النهج، لا يبدو أن التوقف الحالي للمعامل هو نهاية الأزمة، بل مجرد مرحلة تمهّد لما هو أسوأ.
إن صناعة كانت قادرة يوماً على تغطية السوق المحلية والتصدير، تقف اليوم عاجزة عن تشغيل معاملها أو الحفاظ على عمالها. وبين أرقام الإنتاج المنهارة، والمعامل المغلقة، والعمال المسرّحين، يتضح أن ما يجري ليس
أزمة عابرة، بل انهيار حقيقي لصناعة تُترك لتُخنق ببطء، وسط صمت رسمي لا يقل قسوة عن الأزمة نفسها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1274