انهيارٌ شامل للقطاع الصحي... الموت مجاني والعلاج لمن يدفع!
ما يحدث في القطاع الصحي اليوم ليس مجرد تراجع في الخدمات؛ إنه انهيار هيكلي يهدد حياة الملايين يومياً.
من إدلب إلى الرقة، ومن حماة إلى دمشق، يدفع السوريون ثمناً غالياً؛ أطفال يموتون قبل أن يولدوا، مرضى سرطان يموتون لأنهم لا يستطيعون شراء الدواء، أمهات يضطررن للاختيار بين علاج أبنائهن وتغطية مستلزمات الأسرة اليومية.
فبعد أكثر من عام على سقوط سلطة الأسد، يواصل القطاع الصحي نزيفه اليومي، ليس بسبب الحرب التي انتهت فقط، بل بسبب تخلٍّ ممنهج من الدولة، وتحوّل المستشفيات الحكومية إلى أماكن يحتضر الفقراء على أعتابها.
ورغم هذا وأكثر، ورغم أن أكثر من 95% من السوريين باتوا تحت خط الفقر، ترفض الدولة تحمل مسؤولياتها، وتلوح بالخصخصة.
ألمٌ يوميّ
في إدلب جاء الانهيار كالصاعقة، فبعد مغادرة المنظمات الدولية جنوباً، انخفضت القدرة الاستيعابية إلى 80%، وفُقِد 70% من الكوادر، بحسب الدكتور محمد سليمان، مدير مستوصف بلدة الحراكي، في تصريح «للثورة السورية» في 6 نيسان.
النتيجة؟
حالات وفاة تُسجّل يومياً بأقسام العناية المشددة والحواضن!
وفي الرقة تنبئ الأرقام بكارثة إنسانية؛ فلا يجد 80% من الأطفال الخدج والرضّع حاضنة، وبحسب مدير مشفى الأطفال حسين الحمود، فإن المشفى يملك 33 حاضنة، تعمل بنظام الدور، ما يدفع بأعداد كبيرة للعودة إلى منازلهم، لعجزهم عن دخول المشافي الخاصة، وعندما تسوء حالة الطفل يعودون به متوفى إلى الإسعاف.
وليس الوضع في حماة بحالٍ أفضل، ففي 9 آذار، توفي طفل بعد 38 ساعة من الانتظار، ليأتي رد مديرية الصحة بأننا بانتظار التمويل! فعدد الحواضن لا يتعدى الأربعين، موزعة بين مشفى التوليد والأطفال، ومشفى السقيلبية الوطني، بينما تتجاوز كلفة الليلة في المستشفيات الخاصة 3 ملايين ليرة.
أما العاصمة، فحدث ولا حرج، فمن نقص الكوادر، وتراجع الخدمات، بالأخص النظافة العامة، تحول البيروني إلى كابوس يومي لمرضى السرطان. فالجمعيات الخيرية تعتذر، والمشفى يقول «لا أدوية لدينا»، والمرضى ينتظرون معجزة لعجزهم عن شراء الأدوية والجرعات التي تتراوح أسعارها ما بين 20 دولاراً ووصولاً إلى 800 دولار؛ عدا عن الجرعة المناعية التي لا تقل كلفتها عن 2000 دولار!
فيما تعيش بقية المستشفيات انحداراً مشابهاً، يدفع بالمرضى إلى شراء أتفه المستهلكات وأبسطها من الخارج، لأن المشافي عاجزة عن توفيرها!
من يتحمل المسؤولية؟
واهم من يعتقد أن هناك بديلاً عن إعادة تأهيل المشافي الحكومية، وعن إرساء نظام دعم صحي ينحاز إلى الفقراء، أو أن أزمة القطاع يُمكن أن تحل جزئياً، في مركز هنا ومستوصف هناك، أو عبر انتظار دعم المنظمات الدولية.
فالأزمة ليست نقصاً في الإمكانيات فقط، بل في غياب الإرادة. والمطلوب عاجلاً هو إعادة توزيع عادل للموارد والكوادر بين المحافظات، وليس ترك كل محافظة تموت وحدها. وإعادة دمج الموظفين المفصولين (أكثر من 200 من الكوادر الطبية في حماة وحدها)، وتحديث أقسام العناية المشددة والحواضن، وتوفير أبسط المستلزمات (القفازات، السيرنغات، أغطية الأسرّة).
فمع كل يوم يمر من دون تدخل حكومي عاجل، يموت طفل في الرقة، أو مريض سرطان في البيروني، أو خديج في حماة. والسؤال الملحّ: كم سوريّاً يجب أن يموت على أبواب المشافي حتى تتحرك الدولة؟!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1274
نور الإبراهيم