استعادة الغطاء النباتي ملف وطني لا يحتمل التأجيل!
رشا عيد رشا عيد

استعادة الغطاء النباتي ملف وطني لا يحتمل التأجيل!

لم يعد الغطاء النباتي في سورية قضية بيئية هامشية، بل جرح نازف ينذر بكارثة وجودية، فبين حرائق تلتهم سنوياً مساحات شاسعة، وفأس جائرة وجفاف يضرب جذور الحياة، نقف اليوم أمام حقيقة صادمة، أن سورية فقدت ثلث غاباتها خلال السنوات الماضية، وفي مواجهة هذا النزيف، تطل علينا وزارة الزراعة بحملات وخطط لاستعادة الغطاء النباتي، لكن السؤال هنا: هل هي خطط إنقاذ أم مجرد مسكّنات إعلامية لعجز بنيوي مزمن؟

الأرقام تروي الحقيقة


جاءت حرائق 2025 لتؤكد أننا أمام حالة طوارئ بيئية لا تحتمل الوعود، فتحولت آلاف الهكتارات إلى أرض جرداء، حيث التهمت الحرائق 317,260 ألف دونم طالت الأحراج والأشجار المثمرة على حد سواء حسب بيانات وزارة الزراعة، هذه الأرقام تكشف غياباً تاماً لأي استراتيجية استباقية حقيقية، فلا خطط وقائية تحد من اندلاع الحرائق، ولا استعدادات لوجستية كافية تخفف من فداحة الخسائر عند وقوعها، وكأننا ننتظر كل عام لتقع الفأس في الرأس فتظهر الهوة الشاسعة بين الأحاديث الرسمية الخُلبية والممكنات التي تم توفيرها فعلاً لهذه الغاية.


الفأس أشد فتكاً


بينما تلتهم النار ما تبقى، تأتي الفأس لتقضي على ما نجا، فظاهرة الاحتطاب خرجت من إطار تغطية بعض الحاجات الأسرية على المستوى الفردي وصولاً إلى الاحتطاب الجائر كظاهرة منتشرة في جميع المحافظات، كمنبج وعفرين في ريف حلب، والصورة تتكرر على طول الطريق إلى اللاذقية حيث اختفت الغابة بالكامل وتحولت إلى أرض عارية، ولم تعد تقتصر الظاهرة على المناطق الحراجية والغابات بل والتعدي على الممتلكات الخاصة والبساتين في بعض الأحيان.
فإذا كان مبرر عمليات الاحتطاب الفردي هو نقص وشح مصادر الطاقة للتدفئة كحاجة وضرورة خلال السنوات الماضية، فالجور بالاحتطاب وإزالة الأشجار بالأطنان وتحت مرأى الجميع لا يُبرر إلا أنه أصبح فرصة لكسب الأرباح تقوم به شبكات عاملة مُدارة بدقة.
فمن يصدر حكم الإعدام بحق البيئة، سواء في بحثهم عن المزيد من الربح أو احتكار الدفء، هم أنفسهم شريحة كبار الفاسدين والناهبين في البلاد غير العابئين بكل العقوبات القانونية التي تستثنيهم فيما يٌجيّر غالباً على المفقرين!
ولنعيد التأكيد أن كل الكوارث كنتائج هي بسبب السياسات التميزية الظالمة المتبعة، اعتباراً من سياسات تخفيض الدعم الجائرة وصولاً إلى سياسات الإفقار المعمم!


خطط لا ترقى إلى حجم الجرح


وأمام هذا المشهد القاتم، تسارع وزارة الزراعة للإعلان عن خطتها وتتحدث البيانات الرسمية عن إنتاج 1,4 مليون غرسة، وخطة لتحريج نحو 1000 هكتار، هذه المساحة ورغم أهميتها، لا تشكل سوى جزء من الدمار، فكيف لخطة كهذه أن ترمم خسائر تراكمت عبر أكثر من عقد من الحرب والإهمال؟ وكيف يمكن الحديث عن «استدامة» بينما الفأس لا تزال مُسلّطة، ولا توجد أي إجراءات قانونية رادعة لوقف نزيف القطع الجائر اليومي؟ فالأمر لا يتعلق بعدم كفاية الموارد فقط، بل بفجوة الثقة العميقة بين الخطاب الرسمي المليء بالتفاؤل وواقع الأرض المليء بالخيبة والدمار.


ليست رفاهية


إن حماية الغطاء النباتي واستعادته ليست ترفاً أو رفاهية يمكن تأجيلها، إنها مسألة حياة أو موت لمنظومتنا البيئية والزراعية، فكل شجرة تُقطع وكل دونم يحترق يعني مزيداً من التصحر، وفقداناً للتنوع الحيوي، وتدهوراً لا رجعة فيه في خصوبة التربة، فهذا الملف من المفترض اعتباره من الملفات ذات البعد الوطني العام، خاصة بعد الأخذ بعين الاعتبار تأثيراته السلبية الكبيرة والكثيرة والعميقة الحالية والمستقبلية.
والمطلوب حالاً وعاجلاً، وقبل موسم الحرائق السنوي، الجدية بالمتابعة والضبط والمحاسبة بعيداً عن أوجه الفساد والمحسوبية الطاغية على مجمل الأداء الرسمي، وتنفيذ فعلي للخطط الورقية عن التشجير على أرض الواقع.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1274