كيوان... ظل العاصمة المُباع مع نهرها... بيئة مهددة وغضب يتسع
في قلب دمشق، تمتد أرض كيوان كواحدة من أكثر الملفات العمرانية تعقيداً وحساسية، أرضٌ استُملكت منذ أكثر من خمسين عاماً وبقيت معلّقة بين قانون لم يُنفذ بالكامل وواقع لم يُنصف أحداً. ومع كل مرحلة مرت على البلاد، كانت هذه الأرض تعود إلى الواجهة بوصفها وعداً مؤجلاً أو مشروعاً لم يكتمل، فيما بقي سكانها في حالة استقرار هشّ، يعيشون على أرض لا يعرفون إن كانت ستبقى لهم أم ستُنتزع منهم يوماً باسم التنظيم أو الاستثمار.
بعد سقوط سلطة الأسد، دخلت البلاد مرحلة انتقالية جديدة، رافقها خطاب واسع عن إعادة فتح الملفات العالقة وردّ الحقوق ومعالجة مظالم عمرانية امتدت إلى عقود. في هذا السياق، كان كثير من سكان كيوان يأملون أن يكون الملف أولى بوابات العدالة، وأن يُعاد النظر في استملاك قديم طال أكثر مما ينبغي دون تنفيذ فعلي، أو على الأقل أن يُصار إلى حل يوازن بين حق الناس وحق المدينة.
لكن ما حدث لاحقاً حمل مساراً مختلفاً. فقد تحركت وزارة السياحة نحو توقيع عقد استثماري مع شركة «بومنت»، لإطلاق مشروع سياحي ضخم في المنطقة. هذا التوقيع لم يكن مجرد إجراء إداري، بل لحظة مفصلية في نظر السكان، إذ بدا وكأنه إغلاق نهائي لمسار آخر كان مطروحاً بقوة في السابق: تحويل كيوان إلى حديقة بيئية عامة، تكون رئة خضراء لمدينة تختنق يوماً بعد يوم تحت ضغط الإسمنت والازدحام والتلوث.
ذلك المشروع البيئي لم يكن تفصيلاً ثانوياً، بل كان يمثل رؤية مختلفة تماماً لدمشق، رؤية تعتبر أن المدينة لا تحتاج مزيداً من المشاريع الاستثمارية بقدر ما تحتاج مساحة تتنفس فيها. لكن هذه الرؤية تراجعت تدريجياً أمام منطق الاستثمار، إلى أن تم عملياً طيّها لصالح مشروع بومنت، الذي يُسوّق اليوم كتنمية سياحية، بينما يراه كثيرون بداية مسار جديد من الضغط العمراني والبيئي في واحدة من أكثر مناطق العاصمة حساسية.
وتزداد حساسية الملف تعقيداً لأن المنطقة لا تقف وحدها جغرافياً، بل يمر فيها أو بمحاذاتها نهر بردى، شريان دمشق التاريخي ورمز توازنها البيئي الهش. هذا الوجود ليس تفصيلاً جمالياً، بل عنصر بيئي بالغ الأهمية، لأن أي تدخل عمراني كثيف في محيط سرير النهر يعني بالضرورة تغييراً في توازنه الطبيعي، سواء من حيث الجريان أو التلوث أو الضغط على مجراه. ومع مشروع بحجم استثماري وسياحي كبير، تتصاعد المخاوف من انعكاسات مباشرة على سرير النهر نفسه، وعلى قدرته على الاستمرار كعنصر حياة بيئية داخل المدينة، لا كقناة محاصرة بالإسمنت والمخلفات.
فبدلاً من أن تتحول المنطقة إلى فرصة لإعادة إحياء العلاقة بين دمشق ونهرها، يُخشى أن يتحول المسار إلى مزيد من العزل والتضييق على بردى، بما يحمله ذلك من مخاطر بيئية طويلة الأمد، لا تطال كيوان وحدها، بل تمتد إلى مجمل المنظومة البيئية للعاصمة. فالنهر الذي كان يوماً رمزاً للحياة في دمشق، بات اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وأي ضغط إضافي عليه يعني خسارة جزء آخر من التوازن البيئي المتبقي للمدينة.
ومع هذا التحول، لم يعد الغضب مقتصراً على سكان كيوان وحدهم، بل امتد إلى شريحة واسعة من سكان دمشق وزوارها، الذين يرون فيما يحدث إعادة إنتاج لنمط عمراني يقدّم الاستثمار على حساب البيئة والعدالة الحضرية. فالقضية لم تعد محلية، بل أصبحت سؤالاً أوسع حول مستقبل المدينة نفسها: هل تُدار كمساحة حياة مشتركة، أم كمجموعة فرص استثمارية متتابعة تُباع فيها كل بقعة قابلة للبناء أو الاستثمار؟
في المقابل، كانت فكرة الحديقة البيئية التي طُرحت سابقاً تبدو للكثيرين الخيار الأكثر اتزاناً، ليس لأنها أقل تكلفة بيئياً فقط، بل لأنها كانت ستعيد الاعتبار لفكرة المدينة كمساحة توازن بين الإنسان والطبيعة. لكنها اليوم تبدو، في نظر المعارضين للمشروع، كفرصة ضاعت في لحظة تحول سياسي، لصالح مشروع جديد يُخشى أن يضيف مزيداً من الضغط على بنية دمشق المنهكة أصلاً، من شوارعها المكتظة إلى شبكاتها الخدمية المحدودة.
وهكذا، تقف كيوان اليوم عند نقطة أكثر حدة من أي وقت مضى؛ أرضٌ تحمل تاريخ استملاك طويل، وسكاناً ينتظرون حلاً عادلاً، ونهر بردى يمر في صمت مثقل بالضغط، ومدينة كاملة تراقب بقلق كيف تُرسم خرائطها من جديد، بين حلم بيئي مؤجل ومشروع استثماري يمضي إلى الأمام، فيما يتسع الغضب كلما ضاق الأفق.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1273