قرار إقصائي أم جزاء جماعي؟  قراءة قانونية في منع خريجي الخدمة الإلزامية من الانتساب لنقابة المحامين
ميلاد شوقي ميلاد شوقي

قرار إقصائي أم جزاء جماعي؟ قراءة قانونية في منع خريجي الخدمة الإلزامية من الانتساب لنقابة المحامين

يثير القرار الصادر عن نقابة المحامين /176/ تاريخ 22/3/2025، والقاضي بعدم قبول طلبات الانتساب لكل من خدم في الجيش أو الأجهزة الأمنية سابقاً، إشكالية قانونية خطِرة تتجاوز حدود التنظيم النقابي لتطال مبادئ دستورية راسخة، وفي مقدمتها مبدأ المساواة أمام القانون، وحرية العمل، وعدم جواز فرض عقوبات جماعية على أساس الانتماء الوظيفي السابق.

من حيث المبدأ، فإن الخدمة الإلزامية في الجيش لم تكن خياراً حراً لهؤلاء الشباب، بل كانت واجباً قانونياً مفروضاً عليهم بموجب نصوص آمرة، يترتب على مخالفتها ملاحقة جزائية وعقوبات قاسية. وبالتالي، فإن إدراجهم ضمن فئة «غير المقبولين» في نقابة مهنية، لمجرد أدائهم هذا الواجب، يشكل خلطاً غير مشروع بين الفعل الإرادي والفعل المفروض، ويؤسس لتمييز غير مبرر قانوناً.

إن القرار، بصيغته العامة والمطلقة، يُعد نموذجاً صارخاً لما يُعرف في الفقه القانوني «بالجزاء الجماعي»، حيث يتم معاقبة فئة كاملة دون النظر إلى السلوك الفردي لكل شخص، أو مدى تورطه في أي أفعال مخالفة للقانون. وهذا يتعارض مع مبدأ شخصية المسؤولية، الذي يُعد من المبادئ الأساسية في القانون، سواء في المجال الجزائي أو الإداري. فلا يجوز تحميل الفرد تبعات أفعال لم يرتكبها، أو افتراض مسؤوليته لمجرد انتمائه إلى مؤسسة معينة في ظرف استثنائي.
كما أن القرار يتناقض مع حق العمل، بوصفه حقاً دستورياً أصيلاً، لا يجوز تقييده إلا بنص قانوني صريح، ولأسباب مشروعة ومحددة. ونقابة المحامين، وإن كانت تتمتع بقدر من الاستقلالية في تنظيم شؤونها، إلا أن قراراتها تبقى خاضعة لمبدأ المشروعية، ولا يمكن أن تتحول إلى أداة إقصاء أو تصفية حسابات مع فئات اجتماعية معينة، خاصة عندما يكون هذا الإقصاء قائماً على أساس غير سلوكي.

ومن زاوية أخرى، فإن القرار يهدر مبدأ «الأمان القانوني، إذ أن هؤلاء الشباب، بعد سنوات من الخدمة القسرية، كانوا يتوقعون – بشكل مشروع – أن يتمكنوا من استئناف حياتهم المهنية، والانخراط في المجتمع المدني، لا أن يُفاجؤوا بعقبات جديدة تعيدهم إلى دائرة التهميش. وهو ما يتعارض مع متطلبات المرحلة الانتقالية، التي يُفترض أن تقوم على إعادة الإدماج، لا الإقصاء.
الأخطر من ذلك، أن القرار يفتح الباب أمام سابقة خطِرة، يمكن أن تمتد إلى نقابات ومهن أخرى، بحيث يتم استبعاد فئات واسعة من المجتمع على أساس ماضٍ لم يكن لهم فيه خيار، مما يهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي، وتعميق الانقسامات بدل معالجتها.
إن المعالجة القانونية السليمة، في حال وجود تخوفات حقيقية، يجب أن تقوم على أساس فردي، من خلال التحقق من السلوك الشخصي لكل متقدم، ومدى التزامه بالقانون وأخلاقيات المهنة، لا عبر قرارات شمولية تعسفية. كما أن أي مساءلة يجب أن تتم ضمن إطار قضائي يضمن حقوق الدفاع، لا عبر قرارات إدارية ذات طابع عقابي مقنّع.
ختاماً، يمكن القول إن هذا القرار لا يحقق العدالة، بل يعمّق الشعور بالظلم لدى شريحة واسعة من الشباب الذين كانوا في الأصل ضحايا لظروف قاهرة. وهو ما يستدعي إعادة النظر فيه، ليس من زاوية قانونية فقط، بل أيضاً من منظور وطني يهدف إلى بناء دولة قائمة على المواطنة، لا على الإقصاء والتمييز.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1273