المناخلية تحت الضغط... مئات المحال وآلاف الأسر في مواجهة مصير غامض

المناخلية تحت الضغط... مئات المحال وآلاف الأسر في مواجهة مصير غامض

تشهد منطقة المناخلية في دمشق القديمة حالة من القلق المتصاعد عقب توجيه إنذارات من قبل محافظة دمشق نهاية الأسبوع الماضي إلى مئات المحال، تتضمن مطالبات بتعديل صفة العمل أو إجراء تغييرات على طبيعة النشاط. إلا أن اللافت في هذه القضية أن التراخيص الممنوحة لهذه المحال، في معظمها، لا تتعارض أصلاً مع طبيعة الأعمال التي تمارسها، ما يثير تساؤلات جدية حول مبررات هذه الإجراءات وتوقيتها.

المناخلية ليست مجرد سوق تقليدي، بل تُعدّ أحد أهم المراكز الحرفية التاريخية في دمشق،
حيث تتخصص بمهن وخدمات شكلت على مدى عقود طويلة جزءاً من البنية الاقتصادية والاجتماعية للمدينة. هذه المحال، التي يُقدّر عددها بالمئات، لا تمثل مصدر رزق مباشر لأصحابها فقط، بل تعيل آلاف الأسر بشكل مباشر وغير مباشر، من خلال سلاسل العمل المرتبطة بها، بدءاً من الحرفيين وصولاً إلى الموردين والعمال.

ولا تقف أهمية هذا السوق عند هذا الحد، إذ يقدم خدمات وسلعاً أساسية لعشرات الآلاف من سكان دمشق، الذين يعتمدون عليه كمركز قريب ومتخصص يلبي احتياجاتهم اليومية. وبالتالي، فإن أي محاولة لتغيير طبيعة هذه الأنشطة أو دفعها إلى خارج موقعها الطبيعي ستنعكس بشكل مباشر على شريحة واسعة من المجتمع، وليس على أصحاب المحال فقط.
إن نقل هذه الحرف إلى مناطق بعيدة، أو فرض قيود تحدّ من عملها، سيؤدي حتماً إلى زيادة تكاليف التشغيل، وهو ما سينعكس على أسعار السلع والخدمات المقدمة. كما سيضيف أعباء جديدة على المواطنين من حيث الوقت والجهد، في ظل واقع معيشي صعب يتطلب، بطبيعته، تخفيف الضغوط لا زيادتها.
وفي الوقت الذي تبرز فيه شكاوى بعض القاطنين في المنطقة، لا يمكن إنكار حقهم في بيئة سكنية مريحة، خالية من الإزعاج والمخالفات. إلا أن معالجة هذه الإشكالية يجب أن تتم ضمن إطار متوازن، يضمن حقوق الجميع دون الإضرار بمصدر رزق آلاف الأسر أو المساس بدور السوق الحيوي.

إن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد حلول واقعية قائمة على الحوار، تأخذ بعين الاعتبار أن هذه المحال تعمل، في معظمها، ضمن تراخيص قانونية لا تتعارض مع طبيعة نشاطها. وعليه، فإن أي إجراءات تنظيمية يجب أن تركز على معالجة المخالفات الفعلية إن وجدت، لا أن تتحول إلى ضغط شامل يطال قطاعاً واسعاً من الحرفيين والتجار.
ختاماً، تمثل المناخلية جزءاً أصيلاً من هوية دمشق، والحفاظ عليها لا يتناقض مع تنظيمها، بل يتطلب رؤية متوازنة تحمي هذا الإرث، وتضمن استمرارية دوره الاقتصادي والاجتماعي، مع صون حقوق السكان. فالحلول الحكيمة وحدها قادرة على تحقيق هذا التوازن، في وقت باتت فيه الحاجة ملحّة لتخفيف الأعباء عن الناس، لا تعميقها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1273