أما من حل لفوضى الدراجات النارية... لا يكون على حساب الفقراء؟!
رهف ونوس رهف ونوس

أما من حل لفوضى الدراجات النارية... لا يكون على حساب الفقراء؟!

لم تعد الدراجات النارية في سورية مجرد وسيلة نقل اقتصادية يلجأ إليها المواطنون هرباً من غلاء المواصلات وتردي النقل العام، بل تحولت إلى معضلة أمنية واجتماعية متفاقمة تعكس حجم «الفراغ التنظيمي والأمني» الذي تعيشه البلاد، فبين ضحايا وإصابات حوادثها، وعصابات تنشط على متنها بعمليات سلب ونهب وقتل، إلى مراهقين يجوبون الشوارع دون رقابة، تقف الدولة عاجزةً أو غائبة وربما مغيبة عن ضبط إيقاع هذه الظاهرة التي باتت تهدد سلامة المواطنين في كل مدينة وبلدة، فحتى الآن يزداد المشهد قتامة في ظل استمرار النزيف اليومي للأرواح والأموال والممتلكات.

أرقام صادمة وحصيلة متصاعدة


تكشف الأرقام المتداولة عن حجم الكارثة المرورية التي تسببها الدراجات النارية في سورية، ففي عام 2025 وحده وحسب بيانات المكتب الإعلامي للدفاع المدني، سُجلت أكثر من 3000 حادثة مرورية، أسفرت عن نحو 176 حالة وفاة وما يقارب 2500 إصابة متفاوتة، حيث شكلت الدراجات النارية نسبة كبيرة منها، وتشير تقديرات إلى أنها مسؤولة عن 50-60% من مجمل الحوادث المرورية، ومعظمها ناتج عن القيادة المتهورة دون أدنى وسائل حماية كالخوذ، وغالبية الدراجات غير مرخصة ويقودها قاصرون لا يحملون رخص قيادة.


أداة سريعة للنشل والسرقة


لم تعد مخاطر الدراجات النارية محصورة بالمخالفات المرورية، بل تحولت إلى تهديد مباشر للأمن المجتمعي، فقد أفاد مواطنون في محافظة حماة لصحيفة «الوطن» بتاريخ 5 نيسان، «أن عمليات النشل وسرقة الحقائب باستخدام الدراجات النارية ازدادت بشكل مقلق، وصارت تحدث في وضح النهار لا في الفترة المسائية فقط»، وروى الأهالي حادثة تعرضت فيها سيدة للاعتداء والسلب من قبل شخصين على متن دراجة نارية في حي «الكرامة» في المدينة، ما أدى إلى سقوطها على رأسها وإصابتها بجروح، قبل أن يلوذ الجناة بالفرار، كما تعرض صيدلاني في حي آخر لعملية نشل علنية سُلبت فيها حقيبته وأمواله، في مشهد يعكس تحول هذه الآلية إلى وسيلة مثالية للجريمة السريعة والهروب الآمن، وهذه الظاهرة متكررة في بقية المحافظات كحلب ودمشق وحمص واللاذقية، ففي حلب مثلاً تم إلقاء القبض على عصابة العام الفائت في حي «الفرقان» وقُدرت المسروقات بما يقارب 35 ألف دولار.


القتل المتنقل


لم تقف الجرائم عند حدود النشل والسلب، بل امتدت إلى ما هو أخطر، فقد وثِق نمطاً متكرراً من «القتل المتنقل»، بعضها موثق بمقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل، حيث يستقل مسلحون مجهولون دراجات نارية لاستهداف مدنيين بإطلاق نار مباشر ثم يفرون خلال ثوانٍ. هذا الأسلوب الإجرامي المكرر في مناطق عدة بكل أسف، يكشف بوضوح كيف تحولت الدراجة النارية من وسيلة نقل إلى «سلاح مثالي»، فهي سريعة ورخيصة ويصعب تتبعها في الأزقة الضيقة، مع ضعف وغياب لدور الدولة الرقابي والأمني في تتبع الجناة وردعهم.


إجراءات رسمية غير كافية


في محاولة لضبط الفوضى، أصدرت الحكومة قراراً بمنع استيراد الدراجات النارية بأنواعها كافة اعتباراً من نيسان 2026، كما شهدت محافظات عدة حملات لضبط الدراجات المخالفة ومصادرتها، مع إعلانات لوزارة الداخلية بين الحين والآخر عن إلقاء القبض على عصابات متخصصة في سرقة الدراجات نفسها، غير أن هذه الإجراءات ورغم أهميتها، تبقى حلولاً جزئية تتعامل مع العرض لا المرض، ما لم تقترن بإرادة رسمية جادة وحقيقية لبناء منظومة متكاملة تبدأ من قاعدة بيانات رقمية للدراجات وترخيصها اعتباراً من المنافذ الحدودية ومنع التهريب، مروراً بفرض رقابة صارمة على القيادة الرعناء والتشدد بالعقوبات، وصولاً إلى ملاحقة المجرمين الذين يتخذونها وسيلة لترهيب الناس.


بين لقمة العيش والفوضى القاتلة


رغم هذه الصورة المأساوية، لا يمكن تجاهل أن الدراجة النارية باتت في زمن الفقر والغلاء، ضرورة ومصدر رزق وحيد لآلاف الأسر السورية، فهي وسيلة إنتاج بالنسبة لأصحاب المهن والحرف، ووسيلة نقل لا غنى عنها في الأرياف والمناطق التي غاب عنها النقل العام.
وهذا البعد الاقتصادي الاجتماعي هو ما يفرض على الجهات المعنية (وزارة النقل والمحافظة والمرور والبلديات)، مقاربة متوازنة لا تجعل من الحظر والمنع العشوائي هدفاً، كما يجري بين الحين والآخر، بل السعي إلى القوننة والضبط والتنظيم وفق أسس تراعي حال المواطنين ولا تحرمهم من قوت يومهم، وفي الوقت نفسه تمنع عنهم شرور الاستخدام المنفلت لهذه الآلية.


مسؤولية الدولة وحدها


إن ما تعيشه الشوارع السورية اليوم من فوضى الدراجات النارية ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج مباشر لغياب الدولة عن أداء مهامها وتحمل المسؤولية في التنظيم والضبط، فالمطلوب ليس قرارات إعلامية استعراضية، بل خطة شاملة تبدأ بإحصاء دقيق للدراجات الموجودة، وتنتهي بوجود شرطي مرور في كل شارع ومفترق، ورادع أمني وقضائي لكل مجرم يروع الآمنين، وحتى ذلك الحين، سيبقى المواطن السوري المكلوم، المثقل بهموم العيش، يدفع وحده ثمن هذا الإهمال الرسمي، تارةً بجسده في حادث مروع، وتارةً بماله وممتلكاته، وربما بحياته، على أيدي «زعران» و«مجرمي» الدراجات النارية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1273