قرار ينقل الازدحام... ويضاعف معاناة الناس

قرار ينقل الازدحام... ويضاعف معاناة الناس

مرة جديدة، تُقدّم محافظة دمشق قراراً مُغلَّفاً بلغة التخطيط الحديث وتحسين جودة الحياة، بينما يدفع المواطن وحده ثمن «التطوير». الإعلان عن نقل كراجات السيدة زينب وكامل الخطوط العاملة من شارع ابن عساكر إلى مركز الانطلاق في شارع الثلاثين في الزاهرة، كما ورد في بيان المحافظة على صفحاتها المؤرخ في 28 آذار، جاء تحت عناوين براقة: تخفيف الازدحام- تنظيم السير- والارتقاء بواقع النقل. لكن ما إن نغادر النص الرسمي إلى الشارع، حتى تتكشف حقيقة مختلفة تماماً، أقرب إلى نقل المشكلة من مكان إلى آخر، لا حلّها.

لم يكن كراج ابن عساكر مجرد نقطة انطلاق لسرافيس «الست«، بل كان عقدة نقل حيوية تخدم آلاف الركاب يومياً من بلدات وقرى عديدة، من طلاب وموظفين وعمال، اعتادوا الوصول إليه بسهولة من قلب دمشق. لكن بقرار واحد، سيُزال هذا المركز من موقعه، ويُرحّل إلى أطراف الزاهرة، وكأن المسافة والوقت والتكلفة تفاصيل ثانوية لا تستحق التفكير.
فجأة، لم يعد الوصول إلى العمل أو الجامعة رحلة واحدة، بل رحلتين أو ثلاث، ولم تعد الأجرة مبلغاً محدوداً، بل عبئاً يومياً متكرراً ينهش دخلاً هو بالأصل منهك.
المحافظة تتحدث عن «تحسين جودة الحياة»، لكن أي جودة يمكن الحديث عنها حين يضطر المواطن للاستيقاظ أبكر، والانتظار أطول، والدفع أكثر؟
وأي راحة في نظام نقل يُجبر الناس على التنقل بين وسائل متعددة فقط ليصلوا إلى نقطة الانطلاق؟
الواقع أن القرار لن يخفف الازدحام بقدر ما يعيد توزيعه، ليُنقل الضغط من ابن عساكر إلى الزاهرة، حيث ستشهد المنطقة اختناقات جديدة، فيما تبقى معاناة الركاب تتفاقم.
الأكثر إثارة للاستياء ليس القرار بحد ذاته، بل الطريقة التي سيطُبّق بها. فلا خطوط ربط كافية، ولا باصات نقل داخلي منظمة، ولا تعرفة موحّدة تخفف الأعباء، ولا حتى فترة انتقالية مدروسة. وكأن المواطن مُطالَب بالتكيّف الفوري مع واقع جديد، دون أن يُقدَّم له أي بديل حقيقي. هكذا ببساطة، ستُنقل الكراجات وتُترك الناس لتدبّر أمرها.
هذا النوع من «التخطيط» يطرح سؤالاً صريحاً: لمن تُدار المدينة؟ هل الهدف فعلاً تحسين حياة السكان، أم تحسين شكل الشوارع على حسابهم؟ أو ربما لغايات استثمارية لاحقة لمصلحة البعض في المكان الذي سيتم تفريغه؟ لأن ما سيحدث فعلياً هو أن كلفة التنظيم ستُحمَّل بالكامل للمواطن، بينما تُحصد النتائج الشكلية على مستوى الإدارة.
سيتم تفريغ مركز المدينة من الكراجات، نعم، لكن بالمقابل سيتم تحميل آلاف الأشخاص أعباء إضافية يومية، مالية وجسدية ونفسية.
ليس المطلوب الإبقاء على الفوضى، ولا الدفاع عن الازدحام، بل المطلوب أن يكون أي تغيير بهذا الحجم مدروساً من زاوية الإنسان أولاً. وأن يُسأل بداية:
كيف سيصل هذا الموظف إلى عمله؟
كم سيدفع هذا الطالب يومياً؟
كم ساعة ستُقتطع من يوم هؤلاء؟
لكن ما يحدث يوحي بأن هذه الأسئلة لم تُطرح أصلاً، أو لم تكن ذات أولوية.
فلا يبدو القرار كخطوة نحو مدينة أكثر تنظيماً بقدر ما يبدو كحل سريع ينقل الأزمة بدل أن يعالجها.
فبينما تُرفع شعارات التطوير، يجد المواطن نفسه أمام واقع أكثر قسوة، حيث الطريق سيصبح أطول، والجيب أخف، واليوم أكثر إرهاقاً.
هذا ليس تحسيناً لجودة الحياة، بل إعادة تعريف لها... بطريقة يدفع ثمنها من لا يملك رفاهية الاعتراض.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1272