قرار التسديد بالدولار والتراجع السريع... القرار يصطدم بالواقع
ما جرى في ملف تسديد أثمان المحروقات خلال آذار 2026 لم يكن مجرد تعديل تقني في آلية الدفع، بل نموذج مكثّف لكيفية صناعة القرارات الاقتصادية تحت الضغط، وكيف تتراجع عندما تصطدم بالواقع.
قرار بلا أرضية واقعية
في 20 آذار 2026، فُرض على أصحاب محطات الوقود تسديد قيمة مخصصاتهم بالدولار. القرار (على الورق) يبدو مفهوماً؛ الدولة تحتاج إلى القطع الأجنبي، وتريد تقليص خسائرها.
لكن المشكلة لم تكن في الهدف، بل في الطريقة.
فكيف يمكن لقطاع يبيع بالليرة السورية، ويعمل ضمن تسعيرة رسمية محددة، أن يُطلب منه فجأة تأمين الدولار؟
هذا ليس إصلاحاً اقتصادياً، بل نقل مباشر للمخاطر من الدولة إلى حلقة أضعف في السوق.
من يدفع الثمن؟
القرار وضع أصحاب المحطات أمام خيارين كلاهما سيّئ؛ إما شراء الدولار من السوق الموازية بخسارة، أو التوقف عن العمل. وفي الحالتين، النتيجة واحدة؛ اختناق في توزيع الوقود، وانعكاس مباشر على حياة الناس.
بمعنى آخر، القرار لم يكن ضاغطاً على أصحاب المحطات فقط، بل كان يحمل في داخله بذور أزمة أوسع.
الاحتجاج حين يصبح ضرورة
بين 22 و24 آذار 2026، لم ينتظر أصحاب المحطات طويلاً. تحركوا، لكن الأهم أنهم تحركوا بشكل منظم وواضح؛ وقفات احتجاجية أمام وزارة الطاقة- خطاب موحد- مطلب محدد: إلغاء الإلزام بالدولار.
هذا لم يكن احتجاجاً عشوائياً، بل فعل ضغط مدروس من قطاع يعرف تماماً موقعه الحساس في الاقتصاد.
التراجع... والاعتراف غير المعلن
خلال أيام، وتحديداً في 25 آذار 2026، تم تعديل القرار، فلم يعد الدفع بالدولار إلزامياً، وأصبح بالإمكان التسديد بالليرة أو الدولار.
هذا التراجع السريع لا يمكن تفسيره إلا بطريقة واحدة: القرار لم يكن قابلاً للحياة منذ البداية. فلو كان مدروساً فعلاً، لما انهار بهذه السرعة عند أول اختبار.
ما الذي كشفته الحادثة؟
هذه الواقعة كشفت ثلاث حقائق أساسية:
أولاً: فجوة بين صانع القرار والسوق، فهناك قرارات تُبنى من زاوية مالية ضيقة، دون فهم كافٍ لكيفيّة عمل السوق فعلياً.
ثانياً: خطورة تحميل الأزمات للقطاع الوسيط، بدلاً من معالجة جذور المشكلة (نقص الدولار)، حيث تم تحميل التكلفة لقطاع لا يملك أدوات التعامل معها.
ثالثاً: قوة العمل المنظم.
أما الأهم في كل ما حدث فهو أن الاحتجاج المنظم كان قادراً على تعديل القرار، ليس لأن الصوت كان عالياً، بل لأنه كان موحداً، وواضحاً، ومسنوداً بقدرة حقيقية على التأثير (تعطيل التوزيع).
ما بعد التعديل... هل انتهت المشكلة؟
التعديل لم يحل الأزمة، بل خفف حدتها فقط.
فالواقع أن التسعير لا يزال مرتبطاً بالدولار، والضغط على الليرة مستمر، واحتمال عودة سياسات مشابهة يبقى قائماً.
أي إن ما جرى هو تراجع تكتيكي، لا تغيير استراتيجي.
عندما يفرض الواقع نفسه على السياسة
قرار الإلزام بالدولار لم يسقط لأنه غير مفهوم، بل لأنه غير قابل للتطبيق. والتراجع عنه لم يكن مبادرة، بل نتيجة ضغط مباشر. لكن الأهم من ذلك كله أن ما حدث يثبت أن التنظيم، حتى في حدوده المهنية، يمكن أن يفرض نفسه على القرار... عندما يكون الواقع أقوى من السياسة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271