الأسعار فضحت وهم «السوق الحر» وكشفت سياسات الإفقار المنهجي

الأسعار فضحت وهم «السوق الحر» وكشفت سياسات الإفقار المنهجي

لم يعد بالإمكان الاحتماء بذريعة «زيادة الطلب في شهر رمضان» لتبرير الانفلات السعري. انتهى الشهر، وسقطت معه الحجة، لكن الأسعار لم تتراجع، ولم تهدأ وتيرة الارتفاع، بل استمرت وكأن السوق يعمل خارج أي منطق اقتصادي سليم. هذا الواقع لا يفضح هشاشة التبريرات السابقة فقط، بل ينسف أيضاً الخطاب الذي طالما تغنى «بالسوق الحر التنافسي» كآلية قادرة على ضبط الأسعار تلقائياً.

فما نشهده اليوم ليس سوقاً حراً، بل سوق مختل تُدار فيه الأسعار من قبل قلة قادرة على التحكم بالعرض، مستفيدة من غياب المنافسة الحقيقية وضعف أدوات الرقابة. ولو كان السوق يعمل فعلاً وفق قواعد التنافس، لكان انخفاض الطلب بعد رمضان قد انعكس مباشرة على الأسعار، ولو جزئياً. لكن استمرار الغلاء يؤكد أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد «طلب موسمي».
في قلب هذه الأزمة تقف السياسات الاقتصادية المتبعة خلال العقود الماضية على أيدي السلطة الساقطة والمستمرة حتى الآن على أيدي الحكومة المؤقتة، وعلى رأسها إنهاء الدعم، والانفتاح غير المنضبط، وتحرير الأسعار. هذه السياسات، التي قُدّمت باعتبارها إصلاحات ضرورية، طُبقت في واقع اقتصادي هش، دون وجود شبكات حماية اجتماعية حقيقية، ودون بنية إنتاجية قادرة على تحمل الصدمة.
فإنهاء الدعم لم يكن مجرد إجراء مالي، بل كان نقلاً مباشراً لعبء التكاليف إلى المواطن. فالسلع الأساسية التي كانت تشكل الحد الأدنى من الأمان المعيشي أصبحت خارج متناول شريحة واسعة من الناس. ومع كل رفع جديد للدعم، كانت القدرة الشرائية تتآكل أكثر، دون أي تعويض فعلي.
أما تحرير الأسعار، فقد تحوّل من أداة نظرية لضبط السوق إلى وسيلة لانفلاته. ففي غياب المنافسة والرقابة، لم يؤدِ التحرير إلى كفاءة أعلى، بل إلى فوضى سعرية مفتوحة. فالتاجر لم يعد مقيداً بسقف، والمستهلك لم يعد محمياً بأي حد أدنى.
وبالنسبة إلى الانفتاح الاقتصادي، فقد جاء في سياق غير متكافئ. بدل أن يدعم الإنتاج المحلي ويعزز قدرته التنافسية، ساهم في إغراق السوق بالمستوردات، ما زاد الضغط على المنتج المحلي الذي يعاني أصلاً من ارتفاع التكاليف وضعف التمويل. والنتيجة كانت إضعافاً إضافياً للقاعدة الإنتاجية، لا تقويتها.
أما حصيلة هذه السياسات مجتمعة فقد كانت واضحة وقاسية:
تراجع مستمر في الاستهلاك نتيجة انخفاض القدرة الشرائية، ليس لأن الناس اكتفوا، بل لأنهم أُجبروا على التقشف.
مزيد من الإفقار واتساع الفجوة الاجتماعية بشكل غير مسبوق.
تآكل الإنتاج المحلي الذي لم يعد قادراً على المنافسة أو الاستمرار في ظل انخفاض الطلب وارتفاع التكاليف.
تصاعد الاعتماد على الاستيراد، بما يحمله ذلك من ضغط على العملة والاقتصاد.
تراكم الأرباح لدى قلة من كبار التجار الذين استفادوا من التحرير دون ضوابط، ومن السوق غير المتوازن.
والأخطر أن الاستمرار في هذا النهج يعني دفع الاقتصاد إلى حلقة مفرغة؛ استهلاك أضعف- إنتاج أقل- استيراد أكبر- عملة أضعف- ثم أسعار أعلى... وهكذا دواليك.
لكن هذا المسار ليس قدراً محتوماً. فهناك بدائل ممكنة إذا توفرت الإرادة:
إعادة توجيه الدعم بشكل ذكي نحو الفئات الأكثر حاجة، بدل رفعه بشكل شامل.
تفعيل الرقابة الحقيقية على الأسواق، ومكافحة الاحتكار بآليات صارمة وشفافة.
دعم الإنتاج المحلي عبر تخفيض تكاليفه (طاقة، نقل، تمويل)، وحمايته من المنافسة غير العادلة.
تبنّي سياسات سعرية مرنة تضبط السلع الأساسية على الأقل، بدل تركها بالكامل للفوضى.
تعزيز دور الدولة كمنظم للسوق، لا كمتفرج عليه.

التغيير لم يعد ترفاً، بل ضرورة، فما يجري اليوم هو نتيجة خيارات، وليس مجرد ظروف. والاستمرار في نفس الخيارات لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، ودفع مزيد من الناس نحو الفقر، ومزيد من الاقتصاد نحو الضعف.
والمطلوب ليس العودة إلى نماذج قديمة أثبتت قصورها، ولا الاستمرار في وصفات أثبتت فشلها، بل بناء مقاربة متوازنة تحمي المجتمع وتدعم الاقتصاد في آن معاً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1271