المناقصات الحكومية... مسرحية قانونية تحمي النخب وتقصي المنافسين
في 26 آذار 2026، أعلنت مديرية صحة محافظة ريف دمشق عن طلب عروض لتنفيذ مشروعي تعقيم وتطهير مشفى قطنا الوطني ومشفى القطيفة الوطني، لتبدو على الورق منافسة رسمية وشفافة، لكن الواقع يكشف صورة مغايرة تماماً، فهذه المناقصات، كما غيرها من المناقصات العامة، تبدو كأنها طقوس قانونية تغطي على توزيع الفرص بين جهات محددة مسبقاً، مستنسخة من ممارسات السلطة الساقطة التي كانت تدير العمل المؤسسي لمصلحة نخبة ضيقة على حساب المصلحة العامة وخزينة الدولة والاقتصاد الوطني.
الإعلانات، على الرغم من رسميتها، تقدم الحد الأدنى فقط من المعلومات؛ التأمينات المؤقتة بلغت 100 ألف ليرة سورية جديدة لمشفى قطنا و150 ألف ليرة جديدة لمشفى القطيفة، مع تأمين نهائي بنسبة 10% من قيمة الإحالة، وغرامة تأخير يومية واحد بالألف، ومدة تنفيذ سنة ميلادية، ومدة ارتباط العرض ستة أشهر من تاريخ فض العروض. أما كل التفاصيل الجوهرية؛ نطاق العمل- عدد العمال- المواد والمعايير المطلوبة، فهي مخفية داخل دفتر الشروط المدفوع 500 ليرة سورية جديدة، ما يجعل المتقدمين مضطرين لدفع الوقت والمال قبل أن يعرفوا إذا كان المشروع قابلاً للتنفيذ أو مناسباً لهم.
الهامش الزمني بين تاريخ الإعلان (26 آذار) وآخر موعد لتقديم العروض (14 نيسان 2026) لا يتجاوز 19 يوماً، وهو زمن قصير جداً لأي شركة جديدة أو صغيرة لتحليل دفتر الشروط، وإعداد العرض الفني والمالي، والحصول على التأمينات القانونية. هذا التقييد الزمني، بالاقتران مع غياب أي وصف واضح لنطاق المشروع، يكرر منطق الماضي، حين كانت السلطة الساقطة تتحكم في توزيع العقود والمشاريع لمصلحة قلة محددة، مستغلة المعلومات الداخلية والقدرة على التحرك السريع، بينما يُستبعد باقي السوق.
الفارق في التأمينات بين المشروعين، مع عدم وجود أي تفسير فني أو حجم العمل في الإعلان، يعكس غموضاً مالياً متعمداً، فبعض الشركات ستدفع مقابل معرفة التفاصيل، بينما يبقى القرار في أيدي من لديهم معرفة مسبقة بالجهة أو بالمشاريع السابقة. كل ذلك يجعل المناقصة، رغم الشكل القانوني، عملية شبه احتكارية تخدم مصالح نخبة معينة على حساب المنافسة الحرة والمصلحة العامة.
المقارنة بالمعايير الدولية للشفافية في المناقصات الحكومية تزيد من وقع هذا النقد. فالممارسات المثالية تشترط إعلاناً شاملاً يتيح تقييم جدوى المشاركة قبل أي التزام مالي، وإتاحة المعلومات الفنية والمالية بشكل كافٍ، مع مهلة زمنية مناسبة، ومعايير تقييم واضحة تمنع التفضيل المسبق أو الاجتهاد الشخصي.
بينما ما نراه في هذه الإعلانات هو عكس كل ذلك؛ شكل قانوني- محتوى محدود- مدة قصيرة- وتقييد عملي للمنافسة.
باختصار، هذه المناقصات، وأشباهها، ليست دعوة حقيقية للمنافسة، بل استمرار لممارسات السلطة الساقطة التي كانت تحمي قلة ضيقة وتقصي المنافسين، تاركة السوق الوطني مقيداً، وخزينة الدولة والاقتصاد الوطني عرضة لخسائر محتملة نتيجة توزيع العقود بعيداً عن الكفاءة والشفافية.
فالشركات الجديدة أو غير المهيأة مسبقاً تواجه حائطاً من الغموض الزمني والفني والمالي، بينما الجهات المهيأة مسبقاً هي المستفيد الأوحد، ما يحول العملية القانونية الشكلية إلى مسرحية لتقييد المنافسة وإبقاء السيطرة لبعض النخب.
إن استمرار هذه الممارسات يعكس أزمة حقيقية في إدارة الموارد العامة، ويطرح تساؤلات جدية عن جدوى الشكل القانوني للمناقصات، إذا كان الواقع العملي لا يتيح المنافسة العادلة، ولا يحمي الاقتصاد الوطني والمصلحة العامة كما يفترض أن يفعل أي سوق «مفتوح وشفاف» حسب ما يفترض به.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271