صناعة الإسمنت... استثمارات موعودة وتراجع بالإنتاج!
نور الإبراهيم نور الإبراهيم

صناعة الإسمنت... استثمارات موعودة وتراجع بالإنتاج!

تشكل صناعة الإسمنت في سورية اليوم أكثر من مجرد قطاع صناعي عادي؛ فهي من المفترض أن تمثّل عصب مرحلة «إعادة الإعمار» المرتقبة وحجر الزاوية في أي مشروع للنهوض بالبنى التحتية والمساكن والمنشآت.

وقد برزت هذه الصناعة بعد سقوط السلطة كاختبار لقدرة الدولة على إدارة الملفات الاقتصادية الكبرى، وكشفت عن التناقضات بين الأولويات الوطنية وآليات التنفيذ المطروحة.


الفجوة بين الإنتاج والطلب


تُشير الأرقام إلى وجود فجوة تتجاوز 50% بين الإنتاج المحلي، الذي يبلغ 4,6 ملايين طن سنوياً، والاحتياج الفعلي للسوق، الذي يتراوح ما بين 8 إلى 9 ملايين طن.
ولم تعد هذه الفجوة ظرفية وطارئة، بل تعكس أزمة هيكلية في قطاع كان قادراً على تغطية جزء مهم من احتياجات السوق المحلية والتصدير.
فبينما تتحدث السلطة بترقب عن دخول 12 شركة عربية وأجنبية في سباق لاستثمار معامل حيوية عامة مثل «المسلمية» في حلب و«عدرا» في ريف دمشق، تعلن إدارة الشركة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت «عمران» عن توقف إنتاج مادة «الكلنكر» الأساسية في الصناعة، بسبب ارتفاع التكاليف.
إذاً؛ كيف يمكن جذب استثمارات بينما تتراجع القدرة على تأمين مستلزمات الإنتاج الأساسية؟!
تتراوح أسعار طن الإسمنت بين 120 و160 دولاراً، وسط تذبذب مستمر تعكسه تقلبات سعر الصرف وتكاليف النقل والاستيراد. ويعتمد نحو 40% من الطلب المحلي على مادة «الكلنكر» المستوردة، ما يسدّ جزءاً من العجز لكنه لا يحقق استقراراً في السوق.
وتعكس هذه النسب والتكاليف المرتفعة هشاشة القطاع المحلي، وتجعل سوق البناء رهينة لتقلبات إقليمية لا تخضع لسيطرة الدولة.


وهم القطاع الخاص


تمتلك سورية منشآت عامة في طرطوس، وحماة، وعدرا، وحلب، وحمص، والحديث عن طرحها كلها للاستثمار من دون تحديد واضح لطبيعة العلاقة بين الدولة والمستثمر– هل هي شراكة أم تنازل؟– يثير تساؤلات حول جدوى التخلي عن أصول منتجة في قطاع مضمون الطلب، خصوصاً في ظل وجود كوادر وطنية مؤهلة تمتلك خبرات متراكمة في هذه الصناعة.
فما يميز صناعة الإسمنت عن غيرها هو استمرارية الطلب، وهامش الربح المضمون، وارتباطها بالأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي.
ما يجعل التساؤل عن سبب التخلي عن قطاع عام مربح وقادر على التطور بدلاً من إعادة تأهيله وإدارته بكفاءة تساؤلاً مشروعاً.
فهيمنة شركات خاصة على صناعة الإسمنت، سواء من خلال عقود استثمارية غير متوازنة أو عبر الهيمنة على الاستيراد، ستؤدي إلى احتكار حتى في ظل وجود عدة شركات عامة، وبالتالي ارتفاع متواصل في الأسعار، ولا سيّما في ظل غياب آلية تسعير رسمية ملزمة، وتحول الإسمنت إلى سلعة خاضعة بالكامل للسوق، وبالتالي ستبقى شريحة واسعة من المواطنين عاجزة حتى عن ترميم منازلها.


مفترق طرق


تقف صناعة الإسمنت عند مفترق طرق؛ فإما أن تكون نموذجاً للاستثمار الواعي الذي يحافظ على الثروة الوطنية ويديرها بكفاءة لخدمة ملايين السوريين الذين ينتظرون إعادة بناء منازلهم وممتلكاتهم، أو تتحول إلى ساحة لتصفية القطاع العام، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على الأسعار وتوفر المواد والعدالة الاجتماعية.
أما الحديث عن «انتعاش» نتيجة تقدم شركات خاصة للاستثمار في هذا القطاع الحيوي فلا يكفي ما لم يكن مصحوباً برؤية واضحة واستراتيجية تضمن أن يكون القطاع العام شريكاً فاعلاً وليس عبارة عن أصول للتصفية.
فلا يمكن فصل ملف الإسمنت عن الرؤية الشاملة للاقتصاد السوري؛ هل سيكون اقتصاداً موجهاً نحو تلبية الاحتياجات الاجتماعية والتنمية، أم سيبقى استكمالاً لما بدأته السلطة الساقطة؛ أي اقتصاداً تُترك مفاصله الاستراتيجية للسوق والقطاع الخاص وحدهما؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1271