ضبط التجارة... وحماية الاقتصاد المحلي

ضبط التجارة... وحماية الاقتصاد المحلي

في 16 آذار 2026، صدر تعميم هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات ليمنح مهلة ثلاثة أشهر لتجديد القيد في سجل المصدرين، تبدأ في 1 نيسان وتنتهي في 30 حزيران، في خطوة بدت واضحة المعالم؛ لا تصدير بعد اليوم خارج إطار تنظيمي محدث ودقيق. فالإعلان يبدو نظرياً بمثابة إشارة إلى أن مرحلة «الفوضى المقبولة» في التجارة الخارجية قد شارفت على نهايتها، وأن الدولة تتجه نحو إعادة تعريف من هو «المصدر الحقيقي» ومن يحق له أن يمثل الاقتصاد الوطني في الأسواق الخارجية.

بعد أيام قليلة فقط، وتحديداً في 24 آذار 2026، جاء قرار وزارة المالية ليكمل المشهد لكن من زاوية مختلفة، إذ فرض سلفة ضريبية بنسبة 2% من قيمة فاتورة الاستيراد، على أن يبدأ تطبيقها اعتباراً من 1 نيسان 2026، مع قرار موازٍ يلزم المستوردين بالحصول على براءة ذمة مالية مسبقة تدخل حيز التنفيذ في 1 تموز 2026. وقد شددت الوزارة بوضوح على أن هذه السلفة ليست ضريبة جديدة، بل دفعة على الحساب تُخصم لاحقاً، وأن الهدف الأساسي منها هو الحد من التهرب الضريبي، وخاصة ما يرتبط بظاهرة «المستوردين الوهميين».

بهذا المعنى، باتت التجارة الخارجية أمام مسارين متوازيين؛ الأول تنظيمي بحت يطال التصدير، والثاني مالي رقابي يطال الاستيراد. لكن المفارقة أن الأداتين، رغم أهميتهما، لا تعالجان المشكلة بنفس المستوى.
ففي حين تم التعامل مع ملف المصدرين عبر «تنظيف السجل» وإعادة تعريف الفاعلين الاقتصاديين، تم التعامل مع ملف المستوردين عبر «الضريبة المسبقة»، أي من زاوية التحصيل لا من زاوية التنظيم.
صحيح أن فرض سلفة بنسبة 2% يحقق هدفاً مباشراً يتمثل في ضمان تحصيل جزء من الضريبة قبل أن يختفي المستورد أو يتهرب، كما أن اشتراط براءة الذمة يغلق الباب أمام غير الملتزمين ضريبياً للدخول في عمليات الاستيراد، إلا أن ذلك كله يبقى معالجة لأعراض المشكلة أكثر من كونه معالجة لجذرها.

فالمستورد الوهمي ليس مجرد متهرب ضريبياً، بل هو كيان غير منظم أصلاً، يدخل السوق ويخرج منه دون أن يمر بعملية تدقيق حقيقية لوجوده ونشاطه.
لا تبدو مسألة تنظيم السجلات، سواء للمصدرين أو المستوردين، كافية بحد ذاتها ما لم تترافق مع مقاربة أعمق تمس جوهر العملية التجارية نفسها، أي نوعية وكميات السلع المتداولة عبر الحدود.
فالتجارة الخارجية لا تُقاس بمدى انضباط الفاعلين فيها فقط، بل بمدى انسجامها مع أولويات الاقتصاد الوطني. وفي ظل الظروف الحالية، يصبح من الضروري الانتقال من مجرد ضبط الإجراءات إلى إدارة ذكية لحركة السلع، بحيث تُربط قرارات التصدير والاستيراد بمعايير واضحة تأخذ في الحسبان حماية الإنتاج المحلي، وتأمين حاجات السوق، وتحقيق قدر من التوازن في الميزان التجاري. ذلك يعني عملياً أن بعض السلع قد تحتاج إلى تقييد تصديرها في أوقات معينة لضمان توفرها محلياً، في حين ينبغي تشجيع تصدير سلع أخرى تحقق قيمة مضافة حقيقية. وبالمقابل، لا يمكن ترك باب الاستيراد مفتوحاً دون ضوابط نوعية وكمية، بحيث تدخل سلع تنافس المنتج المحلي بشكل غير متكافئ أو تستنزف القطع الأجنبي دون ضرورة اقتصادية ملحّة.

من هنا تظهر المفارقة بوضوح؛ إذا كان التصدير سيخضع لعملية «إعادة تعريف وهوية»، فإن الاستيراد ما يزال يخضع لعملية «ضبط مالي» دون إعادة بناء قاعدة بياناته. وهذا ما يفسر استمرار الحاجة إلى إجراءات إضافية، لأن الضريبة- حتى لو كانت مسبقة- لا تمنع بالضرورة نشوء كيانات وهمية، بل تقلل من خسائرها فقط على الخزينة.

إن ما بدأ في 16 آذار 2026 بالسعي إلى تنظيم سجل المصدرين، وتكرّس في 24 آذار 2026 عبر محاولة ضبط الاستيراد مالياً، يجب أن يتطور إلى مرحلة أكثر نضجاً، عنوانها إدارة التجارة الخارجية كأداة سياسة اقتصادية، لا كمجرد نشاط تجاري. وعندها فقط يصبح بالإمكان تحقيق المعادلة الصعبة؛ سوق مستقرة- إنتاج محلي محمي ومشجّع- وتجارة خارجية تخدم الاقتصاد بدل أن تثقل عليه.
لا شك أن القرارات الأخيرة مهمة، بل ضرورية، لكنها تظل ناقصة دون هذا التوازن. فتنظيم نصف المعادلة لا يكفي، والاقتصاد لا يُدار بإجراءات مجتزأة.
فبين التصدير الذي يسير نحو التنظيم، والاستيراد الذي لا يزال قيد الضبط المالي، تبقى الحاجة قائمة لقرار إضافي يعيد رسم خريطة المستوردين، ويضبط نوعية وكميات الواردات، بما يتوافق مع حماية الإنتاج المحلي وتلبية حاجات السوق والمحافظة على التوازن التجاري.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1271