الكهرباء... الإعلان الرسمي يتحول إلى شرارة غضب شعبي
أعلنت شركة كهرباء دمشق عن صدور فاتورة الدورة الأولى لعام 2026، مطالبةً المواطنين بالإسراع في التسديد تحت طائلة تراكم الديون وفرض غرامات التأخير. إعلان بارد في لغته، روتيني في شكله، لكنه في مضمونه يشبه صب الزيت على نارٍ مشتعلة في صدور الناس.
فهذا الإعلان لا يأتي في فراغ، بل فوق أرض مثقلة بالعجز والغضب. فالغالبية من المفقرين لم يكونوا أصلاً قادرين على تسديد فاتورة الدورة السادسة لعام 2025. يومها، تحمّلوا، صبروا، وانتظروا. كان هناك بصيص أمل- ولو ضئيل- بأن تجد أصواتهم طريقها إلى الاستجابة، وأن تعترف الجهات المعنية بأن ما يُفرض على الناس يفوق قدرتهم على الاحتمال.
لكن ما حدث كان العكس تماماً.
صدور الفاتورة الجديدة، مرفقة بلهجة التحذير من الغرامات، لم يكن مجرد إجراء إدارياً، بل كان بمثابة إعلان صريح بانتهاء ذلك الأمل. لا تخفيف، ولا مراجعة، ولا حتى إشارة إلى فهم الواقع القاسي. مطالبة بالدفع فقط (أكثر، وأسرع، وتحت التهديد).
هنا، لم يعد الاستياء والغضب مجرد رد فعل، بل تحوّل إلى شعور عام بالخذلان.
فكيف يُطلب من مواطن عاجز عن تسديد مستحقات سابقة أن يواجه فاتورة جديدة؟
وكيف تُفرض غرامات على من لم يعد يملك أصلاً ما يدفعه؟
وأي منطق هذا الذي يعاقب العجز بدل أن يسعى إلى معالجته؟
الأمر لا يتوقف عند الأرقام. فالكهرباء التي يُطلب ثمنها بأسعار ظالمة تثقل كاهل الناس، لا تزال تعاني من انقطاعات وتقنين وتردٍّ في الشبكة. المواطن يدفع أكثر مقابل خدمة أقل. وهذه المفارقة القاسية هي ما يجعل الحديث عن «تسديد واجب» يبدو منفصلاً تماماً عن الواقع، بل مستفزاً في نظر كثيرين.
الاستياء الشعبي اليوم ليس مجرد تذمر عابر، بل هو صرخة في وجه سياسات تُدار وكأن الناس غير موجودين.
مطالب واضحة طُرحت؛ إعادة النظر بالتسعيرة الظالمة- زيادة سقف الشريحة «المدعومة»- تقسيط الديون وتشريح الدورات السابقة- إعفاءات أو تخفيضات للشرائح الاجتماعية الأكثر ضعفاً وتضرراً.
لكن الرد كان صمتاً بارداً... تبعه إنذار بالدفع.
في ظل هذا المشهد، تتسع الفجوة بين المواطن والمؤسسات بشكل خطِر. فحين يشعر الناس أن أصواتهم لا تُسمع، وأن معاناتهم لا تُرى، يصبح الغضب أمراً حتمياً، بل مشروعاً.
فالمشكلة لم تعد في فاتورة كهرباء فقط، بل في الإحساس المتراكم بأن هناك تجاهلاً متعمداً لواقع لم يعد يُحتمل.
إن الاستمرار بهذه السياسة لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، ليس مالياً فقط، بل اجتماعياً أيضاً. فالدولة التي تطالب مواطنيها بالالتزام، مطالبة أولاً بأن تنظر إليهم، وأن تفهمهم، وأن تتعامل مع مطالبهم بجدية لا باستخفاف.
وحتى يحدث ذلك، ستبقى كل فاتورة جديدة ليست مجرد رقم يُطلب دفعه تحت طائلة التهديدات... بل شرارة جديدة في غضب لم يعد قابلاً للاحتواء.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271