سورية على حافة الانهيار المعيشي... برنامج إنقاذ عاجل قبل فوات الأوان

سورية على حافة الانهيار المعيشي... برنامج إنقاذ عاجل قبل فوات الأوان

لم يعد توصيف الواقع الاقتصادي والمعيشي في سورية يحتاج إلى كثير من التحليل أو التجميل. فالأزمة لم تعد مجرد صعوبات اقتصادية عابرة، بل تحولت إلى اختناق معيشي شامل يطاول غالبية السوريين ويهدد الاستقرار الاجتماعي برمته. لقد وصلت البلاد إلى لحظة مفصلية تتطلب قرارات جريئة ومسؤولية وطنية عالية، لأن الاستمرار في السياسات نفسها يعني ببساطة المضي نحو تعميق الانهيار بدل وقفه.

لقد خرج الاقتصاد السوري مثخناً بالجراح بعد سنوات طويلة من الحرب، لكن ما يزيد من خطورة الوضع اليوم ليس آثار الحرب فقط، بل السياسات الاقتصادية التي عجزت عن وقف التدهور، بل ساهمت في تعميقه. فبدل إطلاق برنامج وطني لإعادة تشغيل الاقتصاد وحماية المجتمع، جرى تقليص دور الدولة ورفع الدعم وتفكيك أجزاء من القطاع العام وتسريح آلاف العاملين، في وقت لم يكن فيه القطاع الخاص قادراً أصلاً على ملء هذا الفراغ.
النتيجة كانت واضحة وقاسية؛ ارتفاع البطالة- انهيار القدرة الشرائية- وتوسع الفقر بصورة غير مسبوقة.
فالأسواق التي يفترض أن تنشط مع «سياسات التحرير الاقتصادي» تعاني اليوم من ركود شديد لأن الناس ببساطة لم تعد تملك القدرة على الشراء. وعندما ينهار الطلب الداخلي، يتعطل الإنتاج ويتراجع الاستثمار، فتدخل البلاد في دائرة اقتصادية مفرغة من الانكماش والتدهور.


قطاعات الإنتاج تتهاوى


لم يسلم أي قطاع اقتصادي أساسي من هذا التدهور. فالقطاع الصناعي، الذي كان يمثل ركيزة مهمة للاقتصاد الوطني، يعاني اليوم من توقف أو تعثر عدد كبير من منشآته نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية وضعف الطلب المحلي. مصانع كثيرة أغلقت أبوابها أو تعمل بطاقة محدودة، ما يعني خسارة المزيد من فرص العمل وتراجع الإنتاج الوطني.
أما القطاع الزراعي، الذي يشكل خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي، فيواجه صعوبات متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة ومستلزمات الإنتاج، إلى جانب ضعف الدعم والخدمات الزراعية. ومع تراجع الإنتاج الزراعي ترتفع أسعار الغذاء، ويتحمل المواطن العبء الأكبر.


تراجع مقلق للخدمات العامة


في الوقت نفسه، تتدهور الخدمات العامة بصورة مقلقة. فالقطاع الصحي العام يعاني من نقص الموارد والتجهيزات، فيما يواجه التعليم الحكومي تحديات متزايدة تتعلق بالبنية التحتية والتمويل. وهذا التراجع لا يمس الحاضر فقط، بل يهدد مستقبل أجيال كاملة.
إن استمرار هذا المسار يعني عملياً تفكيك ما تبقى من شبكة الأمان الاجتماعي التي كانت تخفف من قسوة الأزمات الاقتصادية.


أوهام الاستثمارات في بيئة غير مستقرة


في المقابل، رُفعت آمال كبيرة حول تدفق الاستثمارات الخارجية باعتبارها مخرجاً من الأزمة. لكن التجارب الاقتصادية في العالم تؤكد أن الاستثمارات لا تأتي إلى اقتصاد يعاني من ركود حاد وانعدام الاستقرار. فالمستثمر يبحث أولاً عن بيئة مستقرة واقتصاد قادر على النمو، وليس عن اقتصاد يرزح تحت ضغوط معيشية متفاقمة.
كما أن التوترات الإقليمية الأخيرة وتداعياتها في المنطقة، تزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي وتحد من فرص الاستقرار.


لحظة الحقيقة...برنامج إنقاذ وطني عاجل


إن ما تحتاجه سورية اليوم ليس المزيد من السياسات الجزئية أو الحلول المؤقتة، بل برنامج إنقاذ وطني عاجل يعيد ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. برنامج يضع في مقدمة أهدافه وقف التدهور المعيشي، وإعادة تشغيل عجلة الإنتاج، وحماية الفئات الأكثر تضرراً من الانزلاق أكثر نحو الفقر المدقع.
ويجب أن يتضمن هذا البرنامج إجراءات واضحة مثل دعم القطاعات الإنتاجية الأساسية، وإعادة تنشيط الزراعة والصناعة، وتحسين الخدمات العامة، وإطلاق مشاريع تشغيل واسعة تخفف البطالة وتحرك الاقتصاد.


حكومة وحدة وطنية... ضرورة لا خيار


غير أن تنفيذ مثل هذا البرنامج لا يمكن أن يتحقق في ظل الانقسامات السياسية والاصطفافات الضيقة. فحجم الأزمة التي تواجه البلاد يتجاوز قدرة أي طرف منفرد على معالجتها. ولذلك تبرز الحاجة الملحة إلى حكومة وحدة وطنية حقيقية وشاملة تقوم على أوسع قاعدة ممكنة من التوافق الوطني.
إن حكومة كهذه ليست مجرد صيغة سياسية، بل ضرورة وطنية تفرضها خطورة المرحلة. فهي وحدها القادرة على توحيد الجهود وتعبئة الموارد الوطنية حول هدف واضح: إنقاذ الاقتصاد والمجتمع من الانهيار.
إن تجاوز الحسابات الضيقة والانتقال إلى عمل وطني مشترك ليس ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لحماية البلاد من مزيد من التدهور.


قبل أن يصبح الإنقاذ أصعب


إن التاريخ الاقتصادي للدول يبين أن الأزمات العميقة يمكن تجاوزها عندما تتوفر الإرادة السياسية والرؤية الوطنية الواضحة. لكن التأخر في اتخاذ القرارات الضرورية قد يجعل كلفة الإنقاذ أكبر بكثير.
وسورية اليوم تقف أمام هذا المفترق الحاسم؛ إما الاستمرار في إدارة الأزمة بسياسات عاجزة، أو الانتقال إلى مرحلة إنقاذ وطني شامل يقوده توافق سياسي واسع وبرنامج اقتصادي واجتماعي واضح.
إن مسؤولية اللحظة التاريخية تفرض على جميع القوى الوطنية أن تدرك أن إنقاذ الاقتصاد والمعيشة لم يعد قضية تقنية أو اقتصادية فقط، بل قضية وطنية مصيرية تمس مستقبل البلاد بأكمله.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269
آخر تعديل على الأحد, 15 آذار/مارس 2026 17:34