الرقابة على الحدود... إمكانات معطّلة وغياب المسؤولية
نور الإبراهيم نور الإبراهيم

الرقابة على الحدود... إمكانات معطّلة وغياب المسؤولية

تزداد يوماً بعد يوم ظاهرة تغلغل المنتجات غير المطابقة للمواصفات إلى السوق السورية، وتترسخ عبارات من قبيل «مخصص للسوق الأوروبي» كبدائل عن شهادات الجودة الرسمية.

وهي ظاهرة تكرس أشكالاً جديدة من الهيمنة الاقتصادية، في سياق عام يتبدى فيه انهيار المنظومة الرقابية، ويهدد النسيج الاجتماعي.
فلم يعد الاستيراد مجرد نشاط تجاري، بل تحول إلى مجال لتراكم رأس المال، حيث يتم استغلال فجوات الرقابة من قبل كبار المستوردين الذين يحققون أرباحهم من قدرتهم على تجاوز المعايير والمواصفات، في رهانٍ على ضعف المؤسسات وفشل الدولة.
وفي ظل غياب الشفافية، تتحول تراخيص الاستيراد إلى ريع حقيقي توزعه شبكات النفوذ. فمن يملك القدرة على تمرير شحنة منتجات فاسدة، أو سلع أقرب إلى الخردة، يملك قدرة استثنائية على تعطيل آليات السوق، وإجبار المستهلك على قبول بضاعته.
فيما تتحول المؤسسات الرقابية إلى أدوات في خدمتهم بدلاً من كونها أدوات لضبط ما يدخل إلى السوق، ومن ثم إلى بيت المواطن.


أين المخابر؟


تبدو الإجراءات على الحدود «شكلية»، حيث تدخل شحنات كاملة من السلع من دون فحص جدي؛ وليس نفوق كميات كبيرة من الفروج الريش القادم من تركيا في 7 آذار، بسبب مرض «غير معروف»، سوى مثال بسيط على ذلك.
وبات ضعف الرقابة على الحدود، باباً جعل من سورية بيئة خصبة لتصريف مواد منتهية الصلاحية، وسلع رديئة، تجد طريقها إلى السوق السورية عبر شبكات تهريب منظمة.
فيما تعترف مديرية التجارة وحماية المستهلك نفسها بأن 35% من المنتجات في السوق لا تصلح للاستهلاك؛ فكيف وصلت هذه المنتجات إلى السوق أصلاً إن لم تكن هناك ثغرات رقابية وتواطؤ واضح؟!
فرغم امتلاك سورية بنية تحتية مخبرية واسعة (مخابر وزارة الزراعة، الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية، مخابر الصحة الحيوانية، مخابر الجمارك والتموين، وغيرها الكثير) إلا أنها تبقى معطّلة أو مهمّشة عن أداء دورها.
إذاً، المشكلة هي في غياب الإرادة والشفافية والمحاسبة، وليس الإمكانيات، وفي وجود قلّة تستفيد من استمرار هذه الفوضى، يدفع المستهلك الثمن مرتين؛ أولاً بصحته عندما يستهلك منتجات غذائية فاسدة أو غير مطابقة للمواصفات، وثانياً من جيبه ومدخراته.


استعادة الإمكانات وضبط الحدود


لقد تحولت الحدود السورية إلى «منخل» بفعل ضعف الرقابة وغياب مؤسسات الدولة، وسيطرة شبكات المصالح والفساد على مفاصل الاستيراد، وغياب المحاسبة وتردي الثقة بين المواطن والدولة.
ولذا فإن أي حلول «إصلاحية» تلي الكارثة، ستبقى سطحية ما لم ترتبط بتغيير جذري، عبر كسر الاحتكارات، وتفعيل الرقابة، وإعادة تفعيل عمل المخابر بتخصصاتها كافة وتبعيتها، وهذا لا يكتمل من دون التحول إلى اقتصاد منتج، يحمي المنتج المحلي، ويشجع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269