محافظة دمشق تبيع المتنفسات العامة... عشر سنوات من التخلي عن الحدائق

محافظة دمشق تبيع المتنفسات العامة... عشر سنوات من التخلي عن الحدائق

تواصل محافظة دمشق نهجها في التخلي عن المرافق العامة، معلنةً مؤخراً عن استدراج عروض لتأهيل وإدارة وتشغيل حدائق «الورود» و»العدوي الكبير» ككتلة واحدة لمدة عشر سنوات، بعد خطوة مماثلة شملت حديقتي «التجارة» و»ألماظة خليل». ورغم أن التفاصيل الرسمية تشير إلى مبالغ تأمين بقيمة 520 ألف ليرة سورية جديدة وسعر دفتر شروط بـ10 آلاف ليرة، إلا أن الجوهر الحقيقي لهذه الخطوة يتجاوز الأرقام إلى تسليم كامل لهذه المتنفسات الحيوية للقطاع الخاص.

صيغة الإعلان التي تتضمن «التأهيل، الإدارة، التشغيل، الصيانة، والإشغال» تعني عملياً انسحاب المحافظة من دورها الخدمي، وتحويل الحدائق من ملكية عامة للمواطنين إلى مشاريع تجارية تخضع لمنطق الربح والخسارة. فبدلاً من ضمان بقاء هذه المساحات مفتوحةً للجميع، تُمنح للمستثمر حرية تشغيل الخدمات وتنظيم الفعاليات واستغلال المساحات كما يشاء لعقد يمتد لعقد كامل.
ويثير الأسلوب المتبع في الطرح، وهو «استدراج العروض» بدلاً من المزاد العلني، تساؤلات حول الشفافية ومعايير الاختيار. ففي المزاد يكون المعيار واضحاً وهو أعلى بدل مالي، أما في استدراج العروض فتدخل اعتبارات «فنية وإدارية» غامضة، مما يفتح الباب أمام التساؤل: من سيختار المستثمرين؟ وما الضمانات لحماية الطابع العام لهذه الحدائق؟
والأهم من الجدل الإداري هو البعد الاجتماعي والإنساني. فحدائق مثل «الورود» و»العدوي الكبير» ليست مجرد أراضٍ خضراء، بل هي متنفسات يومية لعائلات وأطفال وكبار سن في أحياء دمشق المكتظة، حيث يجد السكان ملاذاً من ضجيج المدينة ونقص الخدمات. تحويل هذه المساحات إلى مشاريع استثمارية يعني تقييد الوصول إليها، وربط استخدامها بالقدرة المالية، مما يعمق الفجوة الاجتماعية.

إن التخلي عن إدارة الحدائق ليس حلاً لأزمة مالية، بل تنازل عن مسؤولية أساسية تجاه المواطنين. فالمدن المستدامة تحافظ على مساحاتها العامة وتوسعها، ولا تؤجرها للقطاع الخاص. وفي دمشق التي تعاني أصلاً من شحٍّ في المساحات الخضراء، يبدو أن الحل المطروح هو تفريغ ما تبقى من الملك العام لصالح مصالح خاصة.
السؤال الجوهري اليوم: إذا استمر هذا النهج، ماذا سيبقى من المساحات المفتوحة في دمشق بعد عشر سنوات؟ وكم متنفساً سيفقده السكان قبل أن تتحول المدينة إلى كتلة إسمنتية بلا حدائق حقيقية؟ الحدائق حق مدني واجتماعي، وليست سلعةً للتجارة. والتخلي عنها باسم «الاستثمار» ليس تطويراً، بل تفريطٌ بالمصلحة العامة مقابل أرباح خاصة قصيرة الأمد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269