الصناعة النسيجية... مسار التراجع وتكرار السيناريوهات
أشارت رئيسة نقابة عمال الغزل والنسيج في دمشق، رنا إبراهيم، في تصريح «للوطن» في 23 شباط، إلى فقدان 913 عاملاً من الخبرات في عام واحد فقط، فيما تشير التقديرات إلى خسارة القطاع النسيجي نحو 70 ألف وظيفة منذ العام 2011.
والواقع أن مسار صناعة النسيج في سورية، يكشف عن أزمة بنيوية مزمنة سبقت انفجار الأزمة في العام 2011 بكثير. ففي الفترة بين 2006 و2010، تراجع عدد المنشآت النسيجية بشكل كبير، متأثرة بما سمي «اقتصاد السوق الاجتماعي»، حيث أُغرقت الأسواق ببضائع مستوردة وبأسعار أقل من كلفة الإنتاج المحلي.
وبالعودة إلى ورقة بحثية أعدتها جمعية العلوم الاقتصادية السورية في عام 2022، نلاحظ تراجع عدد المنشآت الصناعية الجديدة المنفذة؛ فمن 2251 منشأة عام 2006 إلى 1718 عام 2007، و1658 عام 2008، وصولاً إلى 1408 عام 2010.
أما في عام 2024، بلغ عدد المنشآت النسيجية العاملة 13,833 منشأة، وفق بيانات وزارة الصناعة في ظل السلطة الساقطة، حيث سجلت تراجعاً بنسبة 12,4%.
أما الوضع اليوم فهو أكثر سوءاً، فرغم حديث وزارة الاقتصاد والصناعة عن وجود نحو 14 ألف منشأة عاملة في القطاع النسيجي، إلا أن أكثر من نصفها (7,921) هي حرفية الطابع. فقطاع النسيج الصناعي تراجع بنسبة تتراوح بين 40-50%، وهذا يعني أن عدداً كبيراً من المعامل خرج من السوق، ومن بقي يعمل بقدرات متدنية.
استمرار السياسات وترسيخها
بعد أن كانت الصناعات النسيجية تحتل المركز الأول بعدد المنشآت وتساهم بنسبة 40% من الناتج الصناعي عدا تكرير النفط، و45% من الصادرات غير النفطية، وتشغل نحو 30% من إجمالي عدد العاملين في الصناعات التحويلية، أصبحت تحتل الآن المرتبة الأخيرة.
وقد شكلت الصناعات النسيجية في السنوات التي تلت العام 2005، نسبة 46% من عدد المنشآت الملغاة، 85% منها من المنشآت الصغيرة، وهذا عدا عن المنشآت غير النظامية التي لا يوجد إحصائيات دقيقة حولها.
وما يثير الانتباه اليوم هو التشابه الكبير في الخطاب الاقتصادي بين مرحلتين. بالأمس كان شعار «السوق الاجتماعي» واليوم «السوق الحر والرقمي والشراكة مع القطاع الخاص». في العام 2021 تم طرح 38 منشأة صناعية للاستثمار بمشاركة شركات وأفراد من القطاع الخاص، منها 9 منشآت تابعة للمؤسسة العامة للصناعات النسيجية. واليوم تطرح السلطة الجديدة المعامل العامة للاستثمار بالحجة نفسها؛ أي فشل القطاع العام!
وفي هذا الإطار، طرحت وزارة الاقتصاد والصناعة عدة معامل نسيجية للاستثمار في اللاذقية والحسكة، ووقّعت مؤخراً مذكرة تفاهم مع شركة «كينغدوم ديزاين» السعودية لإعادة تأهيل 7 معامل نسيجية.
وقد صرّح وزير الاقتصاد بأن القطاع العام «أثبت فشله في التشغيل المباشر»، وفي مؤتمر «ناس تكس 2026» تم التأكيد على أن هذه «شراكة وليست خصخصة».
لكن اللافت أن هذه الطروحات والاتفاقات لا تلزم «المستثمر» بالإبقاء على المعامل بشكلها الصناعي، أو الحفاظ على العمال، مما يثير تساؤلات حول مصير الإنتاج الصناعي وآلاف العمال، وإمكانية تحويلها لأنشطة «أكثر ربحية».
حكومات متعاقبة... قرارات متشابهة
تشير الأرقام اليوم إلى استمرار تدفق البضائع المهربة أو عبر الاستيراد بالرسوم المخفّضة، ولا سيما التركية، بشكل كثيف. وقد صرّح الصناعيون بأن المنتج المحلي مهزومٌ لأنه يواجه بضائعَ لا تتحمل كلفاً حقيقية؛ فبينما يبلغ سعر الكيلوواط الصناعي في سورية نحو 15 سنتاً، يبلغ في تركيا 10 سنتات شاملة تكلفة الطاقة والتوزيع والضرائب.
وصحيح أن الحكومة تعترف بوجود مشكلة، وتعد «بحماية ذكية» و«قيود على الاستيراد»، لكن الواقع يؤكد أن هذه السياسات ما زالت حبراً على ورق. وهنا يتكرر سيناريو الوعد بالحماية.
نحو أي مستقبل؟
يمكن القول إن الصناعات النسيجية تعيش أزمة وجودية. فالحكومة الحالية تقدم ما يبدو «حلولاً» لفساد وإدارة السلطة السابقة، لكنها في الملف الاقتصادي التنموي تكرر السياسات نفسها؛ فتح السوق، التخلي عن القطاع العام، والرهان على الاستثمار الخاص والخارجي.
فأي سياسات لا تقترن بحماية فعلية للمنتج المحلي، وإعادة إحياء حقيقية للقطاعين الزراعي والصناعي، وتضع استراتيجية واضحة لإعادة تأهيل البنى التحتية، تعني أن ما سنشهده ليس انتعاشاً، بل «تصفية منظمّة» لآخر ما تبقى من صناعة وطنية، وتحويل سورية إلى سوق استهلاكية دائمة، تماماً كما كان مخططاً لها في السابق، ولكن تحت مسميّات جديدة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1269
سارة جمال