موسم القمح 2026، تحول استراتيجي خطير يهدد مستقبل الأمن الغذائي لسورية!
يعاد المشهد مجدداً لإنتاج أزمة الجوع في بلد كان يوماً خزانة القمح في المشرق، فيتكرر سيناريو الإهمال المدمر مع موسم القمح 2026.
فبينما كان الفلاح السوري يراهن على موسم جديد يعوض خسائر الموسم الماضي، جاءت الفيضانات في سهل الغاب والبذار الفاسد في الجزيرة لتؤكد حقيقة مُرّة أنه «لا محصول استراتيجي في سورية» بل محصول زراعي عابر يُترك لتقلبات المناخ والسوق السوداء، والأخطر أن الجهات الرسمية تتعامل معه على هذا الأساس، فالمؤشرات والمعطيات الحالية ترسم صورة قاتمة تهدد بتحويل سورية إلى بلد مستورد للقمح بشكل كامل وما يتبع ذلك من انهيار للأمن الغذائي وتهديد صريح لصحة المواطن.
سهل الغاب، وتضرر 8237 دونماً
لم تكن فيضانات سهل الغاب كارثة طبيعية فحسب بالمعنى الدقيق للكلمة بل كارثة بيروقراطية بامتياز، فالأرقام التي كشفت عنها الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب تؤكد تضرر 8237 دونماً بشكل كامل، منها 7503 دونمات مزروعة بالقمح، بالإضافة إلى 22993 دونماً لا تزال تحت المراقبة.
والسبب حسب ما صرح به مدير الهيئة المهندس عبد العزيز القاسم لصحيفة «الثورة» بتاريخ 5/3/2026، «أن المصارف في المنطقة لم تخضع لأعمال تعزيل منذ أكثر من 15 عاماً»، وشبكة المصارف التي تمتد 1225 كم تعاني اختناقات كارثية، والنتيجة أن آلاف الدونمات من القمح تحولت إلى مستنقعات ومعها تحول حلم الفلاح إلى كابوس حقيقي، والمشكلة أن هذه الفيضانات لم تكن الأولى بل هي الرابعة من نوعها وهناك اعتراف رسمي «بملء الفم» وعلم بمشكلة التصريف ومع ذلك لم تتحرك الجهات المعنية لصيانة الشبكة قبل موسم الأمطار!
الجزيرة السورية، بذار مدعوم لكن النتيجة كارثية
وفي الجانب الآخر حيث تتربع سلة غذاء سورية التاريخية (التي كانت تنتج 60% من القمح قبل عام 2011)، تتكرر المأساة لكن بثوب مختلف هذه المرة، فالعدو الأخطر هنا هو البذار الذي يفترض أنه مدعوم أي مضمون لإنقاذ الموسم.
فحسب شهادات المزارعين في الحسكة والقامشلي والتي نقلها موقع «سوريا اليوم 24» بتاريخ 24/2/2026، تفيد أن نسب الإنبات تراوحت بين 3-10% فقط رغم الأمطار الغزيرة التي شهدتها المنطقة، ليتبين أن البذار المدعومة التي تم استلامها من الإدارة الذاتية سابقاً فاسدة أو رديئة الجودة، أي إن المزارع دفع ثمن الحراثة والأسمدة والمحروقات التي اشترى معظمها من السوق السوداء بأسعار خيالية ليحصد محصولاً صفرياً!
وحسب أحد المزارعين، فالخسائر الأولية تقدر بـ 300 دولاراً للهكتار الواحد دون احتساب تكاليف الزراعة، والكارثة الأكبر أن الموسم بأكمله قد ضاع.
القاتل الصامت في قمح الجزيرة!
الخبر الأسوأ لم يأتِ بعد!
فإلى جانب ضعف الإنبات، كشفت عمليات الرصد والفحص الميداني في بعض الحقول حسب ما نقله الموقع نفسه أعلاه، أن هناك إصابات مؤكدة بفطر «الإرغوت»، وهو فطر شديد السمية، وهنا تبدأ الحكاية الأخطر لأن قمح الجزيرة من النوع القاسي المخصص للتصدير لكن أمام هذا الواقع الذي يفترض أنه سيدمر المحصول بالإضافة إلى إصابته، وعليه ستتراجع الكميات، وبالمنطق التجاري البحت، فسيتم توجيه هذه الكميات حتى المصابة منها إلى الاستهلاك المحلي، وهنا تكمن الكارثة الأخطر!
ففطر «الإرغوت» ليس كأي فطر حسب الخبراء الزراعيين، فهو شديد السمية على الإنسان، فتتحول حبة القمح إلى جسم حجري يتسبب بتدمير الأنسجة العصبية مما يؤدي إلى الشلل ويضعف الدورة الدموية، كما يحدث غرغرينة في أصابع اليد والقدمين.
فالأبحاث العلمية تؤكد أن فلوريدات الإرغوت تسبب تأثيرات مسرطنة وسمية عصبيةـ، وهي السموم نفسها التي تسببت بأوبئة قتلت الآلاف في أوروبا خلال العصور الوسطى.
وبالتالي، بدءاً من رغيف الخبز إلى المنتجات التي يدخل القمح في تصنيعها كالمعكرونة والفريكة والبرغل وحتى البسكويت الذي يتناوله الأطفال قد يكون مُصنّع من القمح الملوث بعد الطحن، هذا ليس سيناريو لبث الرعب بل احتمال وارد وبقوة وجرس إنذار للتحرك العاجل، فما يحدث اليوم سواء في سهل الغاب أو حقول الجزيرة ليس سوء حظ بل إعلان رسمي للإهمال الحكومي الفاضح المتوجه لإنهاء أهم المحاصيل الاستراتيجية في سورية، وبفعل هذه السياسات للسلطة السابقة أو الحالية سجل إنتاج القمح تراجع بنسبة 72% عما كان قبل عام 2011.
وهذا يدل على غياب الاستراتيجية والخطة الوطنية المستدامة التي تدرس الواقع والتحديات المحتملة وتضع الآليات الاستباقية لكيفية التعامل معها، وبالتالي الحل لا يكون بخطط سنوية «نسخ ولصق» ولا في شعارات عن الأمن الغذائي تُطلق ثم تُنسى، بل يبدأ باعتراف الدولة بأن القمح قضية وجود وأن الفلاح السوري يجب أن يكون محور أي خطة دعم حقيقي من البذار عالية الجودة إلى جميع مستلزمات العملية الزراعية والإنتاجية لتشجع الفلاح على الاستمرار بالزراعة لا تهزمه، وإلا سيتضاعف عدد السوريين الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي وربما الغالبية سيواجهون خطر الجوع الشديد، وعليه فسورية التي كانت تصدر القمح ستستجدي رغيف الخبز من الأسواق العالمية ما ينذر بمجاعة قادمة!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1269
منية سليمان