«الذهب الأبيض» السوري بين التخلي الرسمي والمخاطر الأجنبية... ضرورة استعادة الدولة لدورها

«الذهب الأبيض» السوري بين التخلي الرسمي والمخاطر الأجنبية... ضرورة استعادة الدولة لدورها

في 8 آذار 2026، أعلنت وزارة الزراعة السورية عن مناقشاتها مع شركة سعودية تدعى Kingdom Design Limited حول الاستثمار في زراعة وتصنيع وتسويق القطن السوري، أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية في البلاد.

الخبر قد يبدو وكأنه خطوة نحو تنشيط قطاع القطن، لكن قراءة متأنية تكشف واقعاً مؤلماً... الدولة تتخلى عن دورها الأساسي في إدارة محصول استراتيجي وحيوي، وتترك التحكم في أحد أعمدة الاقتصاد الوطني لأيدي شركات أجنبية، بعضها غير متخصص أصلاً في الزراعة، ما يعرض «الذهب الأبيض» للخطر.


القطن السوري... محصول استراتيجي مُهم وضروري للاقتصاد الوطني


القطن السوري لم يكن مجرد محصول زراعي عادي؛ بل كان:
أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة.
قاعدة صناعية متكاملة تشمل: الزراعة- الحلج- الغزل- النسيج- التصدير.
موطناً لمئات آلاف فرص العمل في الزراعة والصناعة.
قبل الحرب، كان إنتاج القطن يصل إلى المليون طن سنوياً، وكانت مدينة حلب مركزاً لصناعة النسيج في الشرق الأوسط، بينما كان القطن السوري معروفاً عالمياً بجودة أليافه وطولها، ما جعله مطلوباً في الصناعات الفاخرة والأسواق الأوروبية، بما فيها القطن العضوي الذي كانت سورية من كبار منتجيه عالمياً.


الشركة الأجنبية غير المتخصصة...هل هذا عقلاني؟


شركة Kingdom Design Limited تُعرف أساساً بـ المشاريع الإنشائية والعقارية والهندسية، وليست شركة زراعية، ولا تمتلك خبرة حقيقية في إدارة زراعة القطن أو الصناعات المرتبطة به.
وإسناد هذا القطاع الاستراتيجي إلى شركة غير متخصصة ينطوي على مخاطر جسيمة، منها:
فقدان السيطرة على سلاسل القيمة من الإنتاج إلى التسويق.
خروج الأرباح إلى الخارج بدلاً من إعادة استثمارها داخلياً.
إضعاف المصانع الوطنية، حيث قد يُفضّل المستثمر التصدير الخام بدلاً من تشغيل المصانع السورية.
خطر الاحتكار الاقتصادي من قبل مستثمر واحد.
حرمان الدولة من نقل التكنولوجيا والخبرة للقطاع المحلي.


التفريط الرسمي...انعكاس الفشل في حماية مصالح الدولة


ما يحدث اليوم هو نسخة مقلقة من التفريط الرسمي، حيث تحمي الدولة مصالح المستثمر الأجنبي، وتضع أرباحه قبل المصلحة الوطنية، متجاهلة أن القطن السوري ليس مجرد سلعة يمكن التنازل عنها.
فإهمال الدولة لهذا القطاع يكرس واقعاً خطِراً يتلخص بالآتي:
ضعف الصناعات المحلية.
تراجع اليد العاملة الوطنية في القطاع.
فقدان القدرة على التحكم في الأسعار والتصدير.
استنزاف موارد استراتيجية مثل المياه والتربة في مشاريع قد تهدف إلى الربح السريع فقط.


لماذا يجب على الدولة استعادة دورها فوراً


استعادة الدولة لدورها ليست رفاهية، بل واجب وطني واقتصادي حتمي، وذلك من أجل:
ضمان الأمن الاقتصادي، فالسيطرة على القطن تعني التحكم بسلسلة الإنتاج والتصنيع والتصدير.
حماية الصناعات الوطنية، فإعادة تشغيل محالج القطن ومصانع الغزل والنسيج يضمن فرص العمل ويعيد القيمة المضافة إلى الاقتصاد المحلي.
دعم المزارع واليد العاملة المحلية، فالتعاقد والشراء المضمون يمنع استغلال المستثمر الأجنبي ويعزز دخل المزارعين.
الاستفادة من التقنية والخبرة، فالاستثمار المحلي يضمن نقل المعرفة والتقنيات الحديثة للقطاع الوطني.
استدامة الموارد، فالتخطيط الحكومي يحقق استخداماً رشيداً للمياه والتربة ويجنب المضاربات والاحتكار.


القطن السوري قضية وطنية لا مجال للتفريط فيها


القطن السوري ثروة استراتيجية وطنية، وفقدانه أو التفريط فيه يعني خسارة:
جزء مهم من الأمن الغذائي والصناعي.
آلاف فرص العمل.
القدرة على التحكم بأسواق القطن محلياً وعالمياً.
إن السماح لشركة أجنبية غير مختصة بأن تتولى هذا القطاع هو خطر اقتصادي وسيادي مباشر. وأي استثمار يجب أن يكون تحت إشراف الدولة، مع شراكة عادلة تضمن استفادة الوطن والمزارع والعمال، وليس مجرد وسيلة لتكريس أرباح المستثمر الأجنبي على حساب المصلحة الوطنية.


استعادة المجد الممكنة...مقابل الخطأ الاستراتيجي


التاريخ أثبت أن نجاح القطن السوري كان مرتبطاً دائماً بــدور الدولة في: التخطيط- الدعم- التسويق- والصناعة. والتخلي الرسمي عن هذا الدور لصالح شركات أجنبية غير متخصصة هو خطأ استراتيجي فادح.
إعادة «الذهب الأبيض» إلى مجده ممكنة لكنها لن تتحقق إلا إذا استرجعت الدولة سيطرتها الكاملة على الزراعة والصناعة والتسويق، وحمت سلاسل القيمة المضافة الوطنية، وضمنت أن تكون اليد العاملة المحلية والمصانع الوطنية محور العملية، لا مجرد أداة لتنمية أرباح المستثمرين الأجانب.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269