أسواق دمشق قبل العيد.. وطنٌ من المتفرجين... وأعياد للأثرياء فقط

أسواق دمشق قبل العيد.. وطنٌ من المتفرجين... وأعياد للأثرياء فقط

في الأيام الأخيرة من رمضان، تبدو أسواق دمشق مزدحمة كعادتها. الناس في كل مكان، الشوارع تضج بالحركة، والواجهات تفيض بالبضائع. لكن خلف هذا المشهد المألوف تختبئ حقيقة أكثر قسوة، فمعظم من يملؤون الأسواق ليسوا مشترين، بل متفرجون. يقتربون من الواجهات، يقرؤون الأسعار، يبتسمون ابتسامة قصيرة تختلط بالمرارة، ثم يمضون.

كان من المفترض أن يكون هذا الأسبوع بداية الاستعدادات للعيد، تلك الأيام التي كانت فيها دمشق تعيش ضجيج الفرح الحقيقي. أطفال يختارون ثيابهم الجديدة، آباء يحملون أكياس المشتريات، وروائح الحلويات تملأ الأزقة القديمة. أما اليوم، فقد تحولت تلك الطقوس إلى ذكرى بعيدة في ذاكرة مدينة أنهكها الفقر.

المحال ممتلئة بكل شيء: ملابس، أحذية، ألعاب، وصوانٍ من الحلويات الملونة. كل شيء موجود... إلا القدرة على الشراء. الأسعار تقفز بعيداً عن حياة الناس، كأنها تخص بلداً آخر لا يعرف رواتب السوريين ولا تعبهم اليومي. قطعة ملابس لطفل قد تبتلع دخل أيام طويلة، وصحن حلوى بسيط أصبح ترفاً لا تفكر فيه عائلات كثيرة.
في البيوت، يحاول الآباء والأمهات التهرب من أسئلة الأطفال. كيف تشرح لطفل أن العيد قد يأتي بلا ثياب جديدة؟ كيف تقول له إن السكاكر والشوكولاتة التي كانت أبسط مظاهر الفرح أصبحت اليوم عبئاً؟ كثير من الأطفال سيدخلون العيد هذا العام بلا ملابس جديدة، بلا حلويات، وربما بلا تلك البهجة الصغيرة التي كانت تكفي لصنع عيد كامل.
المفارقة المؤلمة أن هذا المشهد يحدث بينما لا تتوقف الوعود الرسمية عن الحديث عن «تحسن قادم» في الوضع المعيشي. كثير من التصريحات والخطط والتطمينات التي تتكرر في نشرات الأخبار، بينما الواقع في الأسواق يروي قصة مختلفة تماماً. قصة بلدٍ يتراجع فيه الاستهلاك لأن الناس ببساطة لم تعد تملك ما تنفقه.

وفي الوقت الذي تكافح فيه العائلات لتأمين الخبز والزيت والرز، ترتفع في الإعلام الرسمي نبرة الاحتفال والبهجة المصطنعة. تقارير لامعة عن أسواق «تعج بالحركة»، وصور براقة لواجهات مضاءة، وكأن الكاميرات تتعمد النظر إلى الأضواء لا إلى الوجوه المتعبة التي تقف خلفها. إعلام يرفع صوت البهرجة فوق وجع الناس، ويتغافل عن الحقيقة الأكثر وضوحاً... الفقر أصبح القاعدة لا الاستثناء.
والأشد قسوة هو ذلك التناقض الفج الذي يراه السوريون بأعينهم. ففي الوقت الذي يعجز فيه معظم الآباء عن شراء ثياب العيد لأطفالهم، تظهر طبقة من الأثرياء القدامى والجدد الذين لم تمسسهم هذه الأزمة، بل ربما ازدهروا في ظلها. مطاعم فاخرة ممتلئة، سيارات فارهة تملأ الشوارع، واحتفالات باذخة لا تشبه حياة البلد التي تحيط بها.

هكذا تبدو دمشق قبل العيد؛ مدينتان في مدينة واحدة. مدينةٌ لأغلبية مرهقة تحسب ثمن رغيف الخبز، ومدينةٌ أخرى تعرف عيداً مختلفاً تماماً. وبين المدينتين يقف سوق دمشق شاهداً صامتاً على المفارقة؛ بضائع كثيرة... وأيدٍ عاجزة عن الوصول إليها.
الازدحام في الأسواق حقيقي، لكن الفرح غائب. والناس يمشون بين المحال لا ليشتروا، بل ليقيسوا المسافة المؤلمة بين حياتهم اليوم وما تبقى في ذاكرتهم من أعيادٍ كانت يوماً ممكنة. اليوم، في دمشق، لم يعد العيد مناسبة للفرح بقدر ما أصبح تذكيراً سنوياً بحجم الخسارة التي يعيشها معظم السوريين.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269